Skip to content
عاجل
اليمن: وزارة الصحة اليمنية في صنعاء: ارتفاع عدد ضحايا القصف السعودي على قرية الشرية في مديرية بني حُشَيْش إلى 84 شهيداً وجريحاً مدنياً

ترامب بلا هدف في إيران.. كيف تحوّلت الحرب إلى مستنقع أمريكي؟

BNC1
· 7 دقائق قراءة

ما جدوى التفوق العسكري الأمريكي إذا كانت واشنطن عاجزة عن تحديد ما تريده من الحرب مع إيران؟ هذا السؤال يطرحه المعلق السياسي فريد زكريا في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، محذراً من أن غياب هدف سياسي واضح قد يُبقي الولايات المتحدة عالقة في صراع مكلف، حتى لو حققت قواتها إنجازات عسكرية واسعة. فبين الحديث عن الانتصار، واستمرار المواجهة، والتردد بين تغيير سلوك طهران وإسقاط نظامها، تتسع الفجوة بين القوة العسكرية والنتيجة السياسية التي تسعى إليها إدارة ترامب.


واشنطن تتحدث عن النصر.. لكن ماذا حققت الحرب؟



يشير فريد زكريا إلى أن بعض الأصوات في الولايات المتحدة تتعامل مع الحرب باعتبارها حُسمت لمصلحة واشنطن. فقد أعلن المعلق سكوت جينينغز عبر شبكة «سي إن إن» أن الولايات المتحدة انتصرت وأن إيران خسرت، فيما عبّر هيو هيويت عن موقف مشابه، وذهبت افتتاحية صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن الأمور بدأت تتغير.

لكن زكريا يرى أن التفوق العسكري، على أهميته، لا يكفي وحده لإثبات نجاح الحرب. فالقدرة على ضمان تدفق النفط عبر مضيق هرمز، والضغط على الصادرات الإيرانية، تمثلان إنجازين عسكريين، لكنهما لا تجيبان عن السؤال الأهم: هل اقتربت واشنطن من تحقيق أهداف سياسية قابلة للاستمرار؟

وبحسب الكاتب، فإن استعراض القوة لا يصبح انتصاراً استراتيجياً إلا عندما يؤدي إلى نتيجة واضحة، سواء عبر اتفاق سياسي يحقق المطالب الأمريكية أو عبر تغيير فعلي ومستدام في سلوك الطرف المقابل.


من ضرب المنشآت النووية إلى معركة مضيق هرمز



يستعيد زكريا مسار المواجهة، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل قصفتا المنشآت النووية الإيرانية في حزيران 2025، فيما أعلن ترامب أن البرنامج النووي الإيراني دُمّر.

لكن التطورات اللاحقة، وفق روايته، أظهرت أن الضربات لم تنه الصراع. ففي شباط 2026، عادت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الحرب بأهداف أوسع، شملت استهداف القيادة الإيرانية وقتل المرشد الأعلى وعدد من كبار المسؤولين، بالتزامن مع دعوة ترامب الإيرانيين إلى الإطاحة بحكومتهم.

كان تغيير النظام، وفق قراءة زكريا، هدفاً أساسياً في تلك المرحلة. غير أن الجمهورية الإسلامية صمدت، والتفت حول قيادات متشددة، وعيّنت مرشداً أعلى جديداً، ثم استخدمت ورقة مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس النفط العالمي، وفق تقديرات الكاتب.

وهكذا، وجدت واشنطن نفسها أمام حملة عسكرية واسعة تهدف إلى إعادة فتح ممر مائي كان مفتوحاً قبل اندلاع الحرب. ويرى زكريا أن المفارقة تكمن في أن الولايات المتحدة باتت تنفق موارد هائلة لاستعادة وضع سابق، ثم تقدم هذا المسار باعتباره انتصاراً.


فاتورة الحرب: 45 مليار دولار وخسائر تمتد إلى الاقتصاد الأمريكي



لا تقتصر كلفة الحرب، بحسب الأرقام التي أوردها المقال، على العمليات العسكرية والخسائر البشرية، بل تمتد إلى المخزونات الدفاعية والاقتصاد الأمريكي والأسواق العالمية.

استنزاف مالي وعسكري


ينقل زكريا عن البنتاغون أن تكلفة الحرب بلغت نحو 45 مليار دولار، فيما يقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن استمرار نزاع منخفض الحدة قد يضيف ملياري دولار شهرياً إلى الفاتورة.

ويشير المقال إلى مقتل ما لا يقل عن 19 جندياً أمريكياً، وإلى احتمال استهلاك ما بين نصف وثلثي المخزون الأمريكي من بعض صواريخ الاعتراض الدفاعية المتطورة. وقد يستغرق تعويض هذه الصواريخ أكثر من خمس سنوات، بحسب التقديرات الواردة في المقال، ما يثير تساؤلات بشأن جاهزية الولايات المتحدة لأي مواجهة مستقبلية، ولا سيما في منطقة المحيط الهادئ.

كما يشير زكريا إلى تحويل ست سفن حربية أمريكية على الأقل من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط بحلول نهاية حزيران، في خطوة تعكس حجم الموارد العسكرية التي استدعتها الحرب.

النفط والبنزين يرفعان كلفة المعيشة


اقتصادياً، يلفت المقال إلى أن متوسط سعر خام برنت بلغ نحو 100 دولار للبرميل منذ بدء الحرب، بزيادة تقارب 40% مقارنة بمستوياته قبلها.

وينقل زكريا عن مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في مؤسسة «موديز أناليتكس»، تقديره أن تكلفة الحرب على الأسرة الأمريكية المتوسطة تجاوزت 1200 دولار حتى تموز، نتيجة ارتفاع الأسعار وفوائد القروض والإنفاق العسكري.

ويقدّر المقال أن الأمريكيين دفعوا نحو 130 مليار دولار إضافية على البنزين والديزل وحدهما، فيما انعكس ارتفاع أسعار الديزل على تكاليف النقل بالشاحنات والزراعة والغذاء. أما الأسر التي تعتمد على النفط للتدفئة، فقد تواجه فواتير أعلى بنسبة 50% خلال الشتاء، وفق التقديرات الواردة فيه.

وتكشف هذه الأرقام، بحسب طرح الكاتب، أن كلفة المواجهة لا تبقى محصورة في ساحات القتال، بل تنتقل إلى حياة الأمريكيين اليومية، من الوقود إلى الغذاء والاقتراض والتدفئة.


الخليج يدفع الثمن.. وثقة الحلفاء أمام اختبار صعب



يرى زكريا أن تداعيات الحرب تتجاوز الولايات المتحدة وإيران، لتطال دول الخليج والاقتصاد العالمي، وخصوصاً الدول المستوردة للطاقة.

فإلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن واضطراب حركة التجارة، تواجه دول الخليج ضغوطاً على قطاعات السياحة والفنادق، فيما يشير المقال إلى تراجع نسبة إشغال الفنادق في دبي من نحو 85% في شباط إلى 23% في آذار 2026.

وتواجه الحكومات المعنية أيضاً نفقات كبيرة لإصلاح البنية التحتية وتطوير مسارات بديلة لنقل الطاقة والبضائع بعيداً عن مضيق هرمز، في حين تعاني الدول المستوردة للطاقة من صعوبة متزايدة في تحمل الفواتير المرتفعة.

وفي البعد السياسي، يحذّر زكريا من أن ثقة دول الخليج بواشنطن تعرضت للاهتزاز. فالحرب التي يُفترض أن تعزز أمن المنطقة قد تترك حلفاء الولايات المتحدة أمام تكاليف اقتصادية وأمنية إضافية، وتدفعهم إلى إعادة تقييم مدى قدرتهم على الاعتماد على الحماية الأمريكية في أوقات الأزمات.


درس فيتنام يعود إلى الواجهة: تدمير الخصم لا يعني الانتصار



يستحضر زكريا تجربة حرب فيتنام لتوضيح الفارق بين التفوق العسكري وتحقيق الأهداف السياسية. ففي تلك الحرب، ركزت الولايات المتحدة مراراً على حجم الأضرار التي ألحقتها بالخصم، ونوعية الأسلحة المستخدمة وأعداد القتلى في صفوف قواته.

لكن المعيار الحاسم للنجاح، وفق الكاتب، لم يكن حجم الدمار وحده، بل ما إذا كانت هذه الخسائر ستدفع الطرف الآخر إلى الاستسلام أو القبول بتسوية تحقق الأهداف الأمريكية.

ويقول زكريا إن إيران لم تستسلم حتى الآن، ولا يوجد ما يضمن أن يؤدي تكثيف القصف إلى تغيير هذا الواقع. فالدولة التي ترى أن بقاءها السياسي مهدد قد تعتبر مواصلة المقاومة خياراً أقل كلفة من تقديم تنازلات لا تضمن لها البقاء.

ويعزز هذا الطرح فكرة أن القوة العسكرية يمكن أن تضعف قدرات الخصم وتحسّن شروط التفاوض، لكنها لا تضمن بمفردها إنهاء الحرب وفق الشروط التي يريدها الطرف الأقوى.


المعضلة الأساسية: هل يريد ترامب تغيير سياسة إيران أم إسقاط النظام؟



يضع زكريا جوهر المشكلة في غياب الحسم بشأن الهدف النهائي للحرب. فإدارة ترامب، بحسب المقال، تتأرجح بين الضغط على إيران لتغيير سياساتها وبين التلويح بإسقاط الجمهورية الإسلامية.

ويستشهد الكاتب بتصريحات وزير الخزانة سكوت بيسنت في أيلول، حين تحدث عن رسالة مفادها أن «هذه نهاية النظام»، قبل أن يؤكد في المقابلة نفسها أن الهدف ليس بالضرورة إسقاط الحكومة، بل ممارسة الضغط عليها لدفعها إلى التفاوض.

كما يشير إلى خطاب ترامب أمام الأمم المتحدة في الشهر الماضي، حين طرح تساؤلاً بشأن إبرام اتفاق يسمح لإيران بإعادة بناء نفسها لتصبح دولة أكبر، أو «القضاء على الجمهورية الإسلامية بسرعة».

وفي الوقت نفسه، كان المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يتفاوضان مع مسؤولين إيرانيين، في تناقض يراه زكريا جوهرياً: واشنطن تهدد بتدمير الحكومة الإيرانية، بينما تطالبها بالدخول في مفاوضات جدية.

لماذا قد تدفع التهديدات إيران إلى مواصلة القتال؟


يطرح المقال سؤالاً استراتيجياً أساسياً: إذا اعتقد القادة الإيرانيون أن الولايات المتحدة تريد إسقاطهم مهما كانت التنازلات التي يقدمونها، فما الذي سيدفعهم إلى التفاوض؟

في هذه الحالة، قد يصبح الصمود وتحمل الخسائر وإطالة أمد الحرب، من وجهة نظر القيادة الإيرانية، خياراً أكثر منطقية من تقديم تنازلات لا توفر ضمانات لبقاء النظام.

وهنا تظهر مشكلة التهديدات القصوى عندما لا تقترن بمسار سياسي واضح؛ فهي قد تزيد الضغط على الخصم، لكنها قد تعزز أيضاً اعتقاده بأن التسوية لن تحميه من المصير الذي تهدده به واشنطن.


الاتفاق السياسي هو المخرج.. والقوة العسكرية لا تكفي



يستند زكريا إلى نقاشات استراتيجية بشأن كيفية انتهاء الحروب، مشيراً إلى طرح الباحث ستيفن بيدل وزملائه في مجلة «فورين أفيرز»، ومفاده أن الحروب تنتهي في نهاية المطاف عبر صفقات سياسية.

ويمكن للقوة العسكرية أن تحسّن شروط تلك الصفقات، لكنها لا تستطيع أن تحل محلها. ويعتبر الكاتب أن الولايات المتحدة أظهرت، في تجارب فيتنام وأفغانستان والعراق، قدرة كبيرة على تدمير الجيوش، مقابل صعوبة أكبر في تحويل الإنجازات الميدانية إلى نتائج سياسية دائمة.

وبناءً على ذلك، يضع المقال أمام إدارة ترامب مسارين مختلفين:




  • تغيير السياسة الإيرانية: تحديد أهداف قابلة للتحقيق، مثل إعادة فتح مضيق هرمز، وتقييد البرنامج النووي الإيراني، والحد من أنشطة طهران الإقليمية، ثم استخدام الضغط العسكري والسياسي للوصول إلى اتفاق يضمن هذه النتائج.

  • تغيير النظام الإيراني: الاستعداد لصراع أكثر دموية وتعقيداً، مع احتمال اتساع تداعياته الإقليمية، بدلاً من التعامل مع إسقاط الحكومة باعتباره نتيجة يمكن تحقيقها بالضربات العسكرية وحدها.

ويرى زكريا أن الخلط بين المسارين يترك واشنطن أمام حرب مفتوحة، من دون تصور واضح لشكل النهاية أو للشروط التي يمكن اعتبارها نجاحاً.

أخبار ذات صلة