شبح القذافي يلاحق ترامب في حرب إيران.. هل تكرر واشنطن كارثة ليبيا؟

شبح القذافي يلاحق ترامب في حرب إيران.. هل تكرر واشنطن كارثة ليبيا؟
الرصد الإخباري – خاص مركز بيروت للأخبار (BNC)بعد أكثر من 15 عامًا على سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا، يعود اسمه إلى واجهة النقاش السياسي في واشنطن، ولكن هذه المرة من بوابة الحرب الأميركية على إيران، وسط تساؤلات بشأن قدرة الرئيس دونالد ترامب على تجنب تكرار الأخطاء التي أعقبت التدخل العسكري الغربي في ليبيا عام 2011.
وفي تحليل نشرته مجلة نيوزويك الأميركية، تناول الكاتب توم أوكونور أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين الليبية والإيرانية، محذرًا من أن إسقاط نظام سياسي بالقوة العسكرية لا يضمن بالضرورة تحقيق الاستقرار أو حماية المصالح الأميركية.
ويعيد هذا النقاش تسليط الضوء على حرب إيران والسيناريو الليبي، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من أن يؤدي انهيار مؤسسات الدولة الإيرانية إلى تداعيات أمنية وسياسية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
من ليبيا إلى إيران.. خطأ عسكري يطارد واشنطن

تستحضر مجلة نيوزويك التدخل العسكري الذي قاده حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا عام 2011، والذي ساهم في إضعاف قوات القذافي ومهّد لسقوط نظامه، لكنه لم يؤدِ إلى قيام دولة مستقرة.
فبعد انهيار النظام، دخلت ليبيا في مرحلة من الانقسامات السياسية والصراعات المسلحة، وتراجعت قدرة المؤسسات الحكومية على فرض سلطتها في أنحاء البلاد.
وامتدت التداعيات إلى خارج الحدود الليبية، مع انتشار الأسلحة وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي، فضلًا عن استمرار أزمة الهجرة عبر البحر المتوسط.
ويرى محللون استشهد بهم التقرير أن حرب إيران والسيناريو الليبي يطرحان سؤالًا أساسيًا أمام الإدارة الأميركية: هل تستطيع القوة العسكرية إضعاف النظام المستهدف من دون التسبب بانهيار الدولة ومؤسساتها؟
كيف ساهمت فوضى ليبيا في صعود ترامب؟

لم تقتصر تداعيات التدخل الغربي في ليبيا على الجانب الأمني، بل امتدت إلى السياسة الداخلية الأميركية، خصوصًا بعد الهجوم على المنشأة الدبلوماسية الأميركية في بنغازي عام 2012، والذي أسفر عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين.
وأثار الهجوم موجة من الانتقادات لإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، ووزيرة خارجيته آنذاك هيلاري كلينتون، وتحول لاحقًا إلى أحد الملفات التي استُخدمت في السجال السياسي خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016.
وبحسب التحليل، ساهمت الفوضى الليبية وتداعيات الهجرة في تعزيز الخطابات السياسية المناهضة للتدخلات العسكرية الخارجية، وهو ما استفاد منه ترامب خلال حملته الانتخابية الأولى.
وتبرز هنا مفارقة سياسية، إذ يجد ترامب نفسه أمام حرب جديدة تثير تساؤلات مشابهة لتلك التي طرحها سابقًا بشأن التدخل العسكري في ليبيا.
تحذير من تحول إيران إلى دولة فاشلة

ينقل التقرير عن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس تحذيرات من تكرار التجربة الليبية في إيران، ولا سيما احتمال تحول البلاد إلى دولة فاشلة إذا انهارت مؤسساتها من دون وجود ترتيبات واضحة للمرحلة الانتقالية.
وتشمل المخاطر المحتملة موجات نزوح واسعة، وظهور فراغات أمنية، وتوسع نشاط الجماعات المسلحة، إلى جانب اضطرابات قد تؤثر في دول الجوار.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية بالنظر إلى الاختلافات الكبيرة بين البلدين، إذ تتمتع إيران بمساحة جغرافية واسعة، وعدد سكان أكبر بكثير من ليبيا، فضلًا عن امتلاكها مؤسسات عسكرية وأمنية وقدرات إقليمية معقدة.
ولهذا، فإن حرب إيران والسيناريو الليبي لا يشكلان بالضرورة تجربتين متطابقتين، لكن المقارنة بينهما تكشف حجم المخاطر المرتبطة بأي محاولة لتغيير النظام بالقوة من دون تصور سياسي متكامل.
مضيق هرمز والنفط.. أهداف واشنطن تحت الاختبار
عنوان الصورة: مضيق هرمز في قلب المواجهة الأميركية الإيرانية ومخاوف أسواق الطاقة
يربط تحليل نيوزويك بين أهداف الإدارة الأميركية في الحرب والتحديات المرتبطة بتداعياتها الاقتصادية والإستراتيجية.
وتشمل الأهداف الأميركية المعلنة ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وحماية تدفقات النفط والغاز، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يرتبط فقط بنتائج العمليات العسكرية، بل بقدرة واشنطن على منع اتساع المواجهة واحتواء تداعياتها على الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي.
ويكتسب مضيق هرمز أهمية إستراتيجية باعتباره أحد أبرز الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عاملًا مؤثرًا في أسواق النفط والغاز.
لماذا قد تكون إيران أكثر تعقيدًا من ليبيا؟

يشير التقرير إلى اختلافات جوهرية بين التدخل العسكري في ليبيا والحرب على إيران.
ففي الحالة الليبية، جرى التدخل الغربي ضمن تحالف دولي استند إلى قرار من مجلس الأمن، بينما تختلف الظروف السياسية والدبلوماسية المحيطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
كما أن القوى المعارضة للقذافي كانت تسيطر على مناطق داخل ليبيا وتخوض مواجهات مسلحة ضد قواته، في حين لا تتوافر في إيران، وفق المحللين الذين نقلت عنهم نيوزويك، معارضة مسلحة داخلية مماثلة من حيث التنظيم والقدرة العسكرية.
وتجعل هذه الاختلافات أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني أو السيطرة على البلاد أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل امتلاك طهران شبكات نفوذ إقليمية ومؤسسات أمنية وعسكرية واسعة.
ومن هنا، تعود حرب إيران والسيناريو الليبي إلى صدارة التحذيرات السياسية، مع تأكيد خبراء أن التفوق الجوي وحده لا يكفي لضمان تحقيق الأهداف السياسية طويلة المدى.
روسيا والصين.. من المستفيد من تداعيات الحرب؟

يتناول تحليل نيوزويك البعد الجيوسياسي للحرب، مشيرًا إلى أن انهيار النظام الليبي ساهم في إعادة تشكيل موازين القوى في أجزاء من أفريقيا.
فقد أدت الاضطرابات التي أعقبت سقوط القذافي إلى انتقال مقاتلين وأسلحة نحو منطقة الساحل، وساهمت في تعقيد الأزمات الأمنية في دول مثل مالي.
كما استفادت روسيا لاحقًا من حالة عدم الاستقرار لتعزيز حضورها العسكري والأمني في عدد من الدول الأفريقية.
وفي السياق الإيراني، يشير التقرير إلى أن استمرار المواجهة قد يمنح خصوم واشنطن فرصًا إستراتيجية جديدة، سواء من خلال استنزاف الموارد الأميركية أو تعقيد علاقاتها مع حلفائها.
ويتطرق التحليل كذلك إلى تقارير بشأن تعاون استخباراتي روسي مع إيران خلال الحرب، وهي معلومات ينبغي التعامل معها في إطار ما تنقله التقارير، من دون اعتبار جميع تفاصيلها مثبتة بصورة مستقلة.
هل يكرر ترامب أخطاء إسقاط القذافي؟

يخلص تحليل المجلة الأميركية إلى أن التحدي الحقيقي أمام إدارة ترامب لا يتمثل فقط في إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، بل في تحديد النتائج السياسية والإستراتيجية التي تريد واشنطن تحقيقها بعد انتهاء العمليات القتالية.
فالتجربة الليبية أظهرت أن سقوط النظام لا يعني تلقائيًا بناء دولة مستقرة، وأن غياب التوافق السياسي والمؤسسات القادرة على إدارة المرحلة الانتقالية قد يفتح المجال أمام سنوات طويلة من الصراع.
وفي المقابل، فإن اختلاف الظروف بين ليبيا وإيران يجعل من الصعب الجزم بأن البلدين سيسلكان المسار نفسه، لكنه لا يلغي المخاطر المرتبطة بانهيار مؤسسات الدولة.
وهكذا، تتحول حرب إيران والسيناريو الليبي إلى اختبار سياسي وإستراتيجي لترامب، في وقت يتجاوز فيه السؤال حدود الانتصار العسكري إلى ما إذا كانت واشنطن قادرة على تجنب حرب تنتهي بتداعيات أكبر من أهدافها الأصلية.
ويبقى الدرس الذي يستحضره تقرير نيوزويك أن إضعاف الخصم عسكريًا قد يكون أقل تعقيدًا من إدارة نتائج الحرب، وأن غياب خطة واضحة لليوم التالي قد يحوّل المكاسب العسكرية إلى أعباء سياسية وأمنية طويلة الأمد.

