Skip to content

ديون أوروبا تتضخم.. فرنسا تقرع ناقوس الخطر

BNC1
· 4 دقائق قراءة

تتزايد المخاوف بشأن الوضع المالي في أوروبا مع ارتفاع أعباء الديون وتقدم السكان في السن، فيما تحولت أزمة الديون الفرنسية إلى مصدر قلق يتجاوز حدود باريس، وسط مؤشرات على ارتفاع تكاليف الاقتراض في عدد من الدول الأوروبية.

ويرى الكاتب في بلومبيرغ ميهير شارما أن الضغوط التي تواجه فرنسا قد تمتد إلى دول أخرى تعاني مستويات مرتفعة من الدين وضعف الإصلاحات المالية، بما يعيد إلى الواجهة شبح أزمات سوق السندات التي هزت منطقة اليورو في السابق.


فرنسا ليست وحدها في دائرة الخطر


سباستيان لوكورنو رئيس وزراء فرنسا يواجه معارضة شديدة لتخفيض النفقات العامة (الفرنسية)
سباستيان لوكورنو رئيس وزراء فرنسا يواجه معارضة شديدة لتخفيض النفقات العامة (الفرنسية)

يشير شارما إلى أن إيطاليا تواجه تحديات مماثلة، إذ تبلغ نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 139%، مقارنة بنحو 119% في فرنسا.

ومع ارتفاع عوائد السندات الإيطالية، ترتفع تكلفة اقتراض الحكومة، الأمر الذي يضغط بدوره على الإنفاق العام، رغم تمكن روما من خفض عجز الموازنة بعد سنوات من الصعوبات المالية.

ولا تقتصر الضغوط على الاقتصادات الكبرى في منطقة اليورو، إذ امتدت إلى دول خارجها أيضاً. ففي رومانيا، وصلت عوائد السندات إلى مستويات مرتفعة، في مؤشر على اتساع القلق في الأسواق بشأن قدرة الحكومات الأوروبية على إدارة ديونها وتمويل نفقاتها.


قواعد الإنفاق الأوروبي تحت الضغط



بحسب تحليل شارما، تواجه حكومات أوروبية معضلة متزايدة بين الحاجة إلى الإنفاق لمواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وبين ضرورة الحفاظ على مستويات يمكن للأسواق تمويلها من دون ارتفاع حاد في كلفة الاقتراض.

وفي إيطاليا، تطالب حكومة جورجيا ميلوني بتعديل قواعد الإنفاق الأوروبية أو منحها مساحة أكبر للتحرك المالي، رغم استمرار حكومتها في السلطة لفترة طويلة نسبياً مقارنة بحكومات إيطالية سابقة.

ويرى الكاتب أن هذه المطالب تعكس مشكلة أوسع داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تلجأ الدول إلى طلب المرونة والدعم عندما تواجه الأزمات، بينما لا تبادر بالقدر نفسه إلى بناء هوامش مالية كافية خلال فترات الاستقرار والنمو.


إسبانيا تحقق نمواً.. لكن الإصلاحات المالية موضع تساؤل


رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز حقق مستويات عالية من النمو مع التوسع في استقبال المهاجرين (الفرنسية)
رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز حقق مستويات عالية من النمو مع التوسع في استقبال المهاجرين (الفرنسية)

وتبرز إسبانيا في الصورة الأوروبية بصورة مختلفة، بعدما تمكنت من تحقيق معدلات نمو قوية خلال السنوات الأخيرة.

ويربط شارما جانباً من هذا النمو بتدفق مهاجرين يتحدثون الإسبانية من دول أمريكا الجنوبية، ما ساعد في توفير اليد العاملة لقطاعات تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمال، مثل الزراعة والبناء.

لكن الكاتب يرى أن تحسن النمو وتراجع عجز الموازنة لا يعنيان بالضرورة تنفيذ إصلاحات مالية عميقة تضمن استدامة هذا المسار على المدى الطويل.

وتشير هذه المفارقة إلى التحدي الذي تواجهه أوروبا: تحقيق نمو اقتصادي من جهة، وإعادة بناء المالية العامة من جهة أخرى، في ظل ارتفاع كلفة الشيخوخة والرعاية الاجتماعية.


شيخوخة السكان تضغط على ميزانيات أوروبا


شيخوخة السكان تضغط على ميزانيات أوروبا
شيخوخة السكان تضغط على ميزانيات أوروبا

تعد شيخوخة السكان في أوروبا واحدة من أبرز العوامل التي تزيد الضغوط على المالية العامة.

فكلما ارتفعت نسبة كبار السن، ازدادت الحاجة إلى الإنفاق على الرعاية الصحية والمعاشات والخدمات الاجتماعية، بينما يتراجع عدد السكان في سن العمل مقارنة بعدد المستفيدين من هذه الأنظمة.

ويرى شارما أن الأسواق المالية تنظر بقلق إلى هذه المعادلة، خصوصاً مع عدم وجود مؤشرات كافية، بحسب تحليله، على إجراء إصلاحات واسعة تضمن قدرة الاقتصادات الأوروبية على تمويل التزاماتها المستقبلية.

ولا تقتصر المشكلة على دولة واحدة، إذ يمكن أن تتحول الضغوط الديموغرافية إلى عامل مشترك يزيد أعباء الإنفاق في عدد كبير من الاقتصادات الأوروبية.


لماذا تراقب الأسواق عوائد السندات؟



تمثل عوائد السندات أحد أهم المؤشرات التي تعكس نظرة المستثمرين إلى المخاطر المالية.

وعندما ترتفع العوائد، تضطر الحكومات عادة إلى دفع تكلفة أكبر عند الاقتراض وإعادة تمويل ديونها، ما يعني أن جزءاً أكبر من الموازنات قد يذهب لخدمة الدين بدلاً من الاستثمار أو الخدمات العامة.

وهنا تكمن حساسية الوضع الأوروبي: ارتفاع الدين بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاقتراض يمكن أن يحد من قدرة الحكومات على مواجهة الأزمات الجديدة، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تباطؤ النمو وارتفاع النفقات الاجتماعية.


أوروبا بين الديون والنمو والإصلاح


أوروبا بين الديون والنمو والإصلاح
أوروبا بين الديون والنمو والإصلاح

يرى شارما أن أوروبا تواجه معادلة سياسية واقتصادية معقدة؛ فالسياسيون يجدون صعوبة في إقناع الناخبين بالتضحيات التي قد تتطلبها الإصلاحات المالية، فيما تتردد الحكومات في إجراء تغييرات واسعة في أنظمة الرعاية الاجتماعية والهجرة والإنفاق العام.

وفي المقابل، تراقب الأسواق مدى قدرة الحكومات على تحويل النمو الاقتصادي إلى موارد مالية مستدامة، وليس مجرد تحسن مؤقت في المؤشرات الاقتصادية.

وتبقى أزمة فرنسا، وفق هذا التحليل، جزءاً من مشكلة أوسع تتعلق بقدرة أوروبا على التعامل مع ارتفاع الديون وتكاليف الشيخوخة والإنفاق العام في وقت تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والجيوسياسية.


شبح أزمة السندات يعود إلى أوروبا


شبح أزمة السندات يعود إلى أوروبا
شبح أزمة السندات يعود إلى أوروبا

ورغم أن أوروبا لا تواجه في الوقت الراهن أزمة مماثلة لأزمة منطقة اليورو بين عامي 2010 و2012، فإن ارتفاع عوائد السندات في عدد من الدول يعيد ملف الاستدامة المالية إلى الواجهة.

وتبدو المعادلة أكثر تعقيداً مع تقدم السكان في السن، وارتفاع تكاليف الرعاية والتقاعد، والحاجة إلى تمويل الاستثمارات والدفاع والطاقة ومواجهة الأزمات.

وفي المحصلة، يحذر التحليل من أن استمرار الإنفاق المرتفع من دون إصلاحات مالية وهيكلية موازية قد يزيد الضغوط على أسواق السندات الأوروبية، ويجعل أزمة فرنسا اختباراً أوسع لقدرة القارة على تحقيق التوازن بين الإنفاق والنمو واستدامة الدين.

أخبار ذات صلة