خطة ينون لتفتيت المنطقة.. هل تتحول الرؤية الإسرائيلية إلى واقع؟

خطة ينون وتفتيت الشرق الأوسط: كيف رسمت وثيقة إسرائيلية عام 1982 تصورات لإعادة تشكيل العالم العربي؟في عام 1982، نشر الدبلوماسي والصحفي الإسرائيلي عوديد ينون مقالا بعنوان «استراتيجية لإسرائيل في ثمانينيات القرن العشرين»، طرح فيه تصورا لمستقبل المنطقة يقوم على إضعاف الدول العربية وتفكيكها إلى كيانات أصغر ذات هويات طائفية وإثنية. وبعد أكثر من أربعة عقود، تعود خطة ينون إلى الواجهة مع اتساع الصراعات الإقليمية، وتصاعد مشاريع الاستيطان، وتنامي المخاوف من إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط بما يخدم التفوق الإسرائيلي.خاص مركز بيروت للأخبار
لكن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما ورد في المقال، بل بمدى انعكاس أفكاره على السياسات الإسرائيلية الراهنة، وما إذا كانت التطورات في فلسطين ولبنان وسورية والعراق وإيران تسمح بالحديث عن استراتيجية متكاملة لتفتيت المنطقة، أم أن الأمر يتعلق بتقاطعات سياسية وعسكرية لا تثبت وحدها وجود خطة تنفيذية موحدة.
ما هي خطة ينون التي أثارت الجدل منذ عام 1982؟
ظهرت خطة ينون في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد، بعد الثورة الإيرانية عام 1979، وفي خضم الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت عام 1980، بينما كانت إسرائيل تعيد ترتيب أولوياتها الأمنية وعلاقاتها مع الدول العربية.
وفي مقاله المنشور في مجلة «كيفونيم»، التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية، قدّم عوديد ينون قراءة للمحيط العربي انطلقت من اعتباره مجموعة دول تعاني انقسامات داخلية عرقية ودينية وطائفية، ورأى أن هذه الانقسامات يمكن أن تتحول إلى عوامل ضعف استراتيجي إذا تفككت الدول المركزية إلى كيانات أصغر.
وفق هذا التصور، لا يقتصر ضمان التفوق الإسرائيلي على امتلاك القوة العسكرية، بل يشمل أيضا منع ظهور دول عربية قوية وقادرة على بناء تحالفات إقليمية مؤثرة.
وتكمن خطورة هذه الرؤية في أنها تنظر إلى الصراعات الداخلية العربية باعتبارها فرصا يمكن استثمارها لإضعاف الدول المحيطة بإسرائيل، بدلا من التعامل معها بوصفها أزمات ينبغي احتواؤها.
لبنان وسورية والعراق.. خرائط التفتيت في تصور ينون
احتل لبنان موقعا بارزا في قراءة ينون للمنطقة، إذ رأى في الحرب الأهلية اللبنانية نموذجا يمكن أن تتكرر تداعياته في دول عربية أخرى. ومن هنا، ارتبط اسمه بتصورات عن إعادة تقسيم المنطقة على أسس طائفية وإثنية، بما يؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة المركزية وتفكيك قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة.
لبنان.. الانقسامات الداخلية بوابة إعادة تشكيل الدولة
في الحالة اللبنانية، اكتسبت أفكار التقسيم حساسية خاصة بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975، وما رافقها من تدخلات إقليمية ودولية وصراعات طائفية ومناطقية.
وطرح ينون تصورا لتقسيم لبنان إلى كيانات متعددة، معتبرا أن هذا النموذج يمكن أن يشكل سابقة لدول أخرى في المنطقة.
ولا يعني ذلك أن كل أزمة لبنانية لاحقة تثبت تطبيق خطة ينون، لكنه يوضح كيف يمكن للصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية أن تتحول إلى عوامل تهدد وحدة الدولة وتضعف قدرتها على حماية مصالحها الوطنية.
سورية.. تفكيك الجغرافيا على أسس طائفية
تضمنت رؤية ينون تصورا لتقسيم سورية إلى كيانات منفصلة، من بينها كيان علوي على الساحل، وكيانات سنية في دمشق وحلب، وكيان درزي يمتد في مناطق من الجولان وحوران وشمال الأردن.
وتعكس هذه التصورات مقاربة تعتبر التنوع الديني والمذهبي أساسا لإعادة تقسيم الجغرافيا السياسية، بدلا من اعتباره جزءا من تركيبة المجتمع الوطني.
وفي ضوء ما شهدته سورية من حرب مدمرة وتدخلات خارجية وتراجع سلطة الدولة في مناطق مختلفة، عاد الحديث عن مخاطر التقسيم إلى الواجهة. غير أن التشابه بين بعض نتائج الصراع والسيناريوهات التي طرحها ينون لا يكفي، بحد ذاته، لإثبات وجود توجيه إسرائيلي مباشر لكل مسارات الحرب السورية.
العراق.. النفط ووحدة الدولة في قلب الحسابات الإسرائيلية
اعتبر ينون العراق من أبرز التحديات الاستراتيجية المحتملة لإسرائيل، بسبب موقعه الجغرافي وموارده النفطية وقدرته على التأثير في موازين القوى العربية.
وطرح تصورا لتقسيمه إلى ثلاثة كيانات رئيسية: شيعي في الجنوب، وسني في الوسط، وكردي في الشمال، بما يؤدي إلى تفكيك الدولة العراقية وإضعاف قدرتها على تشكيل قوة إقليمية موحدة.
ومع ما تعرض له العراق بعد عام 2003 من انهيار مؤسسات، وصراعات طائفية، وصعود قوى مسلحة وتدخلات خارجية، ازدادت أهمية النقاش بشأن تداعيات تفكك الدولة المركزية. لكن ربط جميع تلك التطورات بخطة ينون حصرا يتطلب أدلة تاريخية وسياسية تتجاوز مجرد التشابه في النتائج.
مصر والأردن والخليج.. هل يتجاوز المشروع حدود بلاد الشام؟
لم تحصر رؤية ينون اهتمامها بلبنان وسورية والعراق، بل تناولت أيضا مصر والأردن ودول الخليج، في سياق تصور أوسع لمستقبل النظام الإقليمي العربي.
انتقد ينون اتفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية، معتبرا أن إعادة الأراضي المصرية، ولا سيما سيناء، تحد من فرص إسرائيل في استثمار الانقسامات الداخلية العربية.
وتضمنت رؤيته تصورات عن تفكك مصر وظهور كيان قبطي مسيحي في صعيدها، إلى جانب توقعات بأن يؤدي انهيار الدولة المصرية إلى تداعيات تمتد إلى دول مجاورة، بينها السودان وليبيا.
وتكشف هذه الطروحات عن تصور جيوسياسي يتعامل مع وحدة الدول العربية بوصفها عاملا مؤثرا في ميزان القوى، ويرى في تفكيكها فرصة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل.
الأردن.. نقل الفلسطينيين وإعادة تشكيل الحدود
تناول ينون الأردن باعتباره جزءا من المعادلة الجيوسياسية المرتبطة بفلسطين، وطرح أفكارا عن تقويض الدولة الأردنية وتشجيع انتقال الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى شرق الأردن.
وتتقاطع هذه الأفكار مع المخاوف من مشاريع تهجير الفلسطينيين ومحاولات تصفية قضيتهم عبر نقل السكان خارج أرضهم، وهي مخاوف تتجدد كلما تصاعدت الدعوات الإسرائيلية إلى تهجير سكان غزة أو ضم أجزاء من الضفة الغربية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين ما ورد في مقال ينون عام 1982، والتصريحات والمشاريع السياسية اللاحقة، مع تقييم كل منها وفقا لمضمونها وسياقها والأدلة المتعلقة بها.
الخليج.. هشاشة محتملة في الحسابات الاستراتيجية
أشار ينون إلى احتمال تعرض الدول الخليجية للتحلل والتفكك، لكنه لم يقدم في هذا الجانب تفصيلا مماثلا لما عرضه بشأن مصر وسورية والعراق.
وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من مكانة الخليج في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، ومن تأثير دوله في موازين القوى الإقليمية. فإضعاف هذه الدول أو تفكيك روابطها السياسية يمكن أن يغير طبيعة النظام العربي، إلا أن الحديث عن تحقق هذا السيناريو يحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا يمكن استنتاجه من المقال وحده.
من خطة ينون إلى «كسر نظيف» وغزو العراق عام 2003
لم يتوقف الجدل بشأن مقال ينون عند نشره، إذ ترجم المفكر الإسرائيلي إسرائيل شاحاك نصه إلى الإنجليزية ضمن كتيب حمل عنوان «الخطة الصهيونية للشرق الأوسط»، وساهمت الترجمة في توسيع نطاق تداوله داخل الأوساط السياسية والبحثية.
ورأى شاحاك أن المقال يعكس تصورا استراتيجيا يقوم على التوسع والاستعداد الدائم للصراع، وربطه بتوجهات سياسية وعسكرية إسرائيلية في تلك المرحلة.
وفي عام 1996، ظهرت وثيقة «كسر نظيف: استراتيجية جديدة لتأمين العالم»، التي أعدها فريق قاده ريتشارد بيرل، وطرحت إعادة صياغة الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية وتعزيز قدرتها على التحرك في المنطقة. وأصبح بيرل لاحقا من أبرز مؤيدي الحرب على العراق في عهد الرئيس الأميركي جورج بوش.
وقد دفعت أوجه التشابه بين بعض الطروحات إلى عقد مقارنات بين وثيقة ينون وهذه الوثيقة، لكن وجود تقاطعات في الرؤية الاستراتيجية لا يثبت تلقائيا وجود سلسلة قيادة واحدة أو خطة تنفيذية متصلة بين الوثيقتين.
وتبقى أهمية هذه المقارنة في أنها تفتح النقاش حول كيفية تأثير الأفكار الجيوسياسية في السياسات الأمنية، وحول الدور الذي يمكن أن تؤديه النخب السياسية ومراكز الأبحاث في صياغة تصورات التدخل الخارجي وإعادة تشكيل موازين القوى.
نتنياهو وإسرائيل الكبرى.. هل تعود أفكار ينون إلى الواجهة؟
عاد اسم خطة ينون إلى التداول مع صعود التيارات اليمينية الإسرائيلية، وتزايد الحديث عن إسرائيل الكبرى، وتوسيع الاستيطان، وضم الأراضي الفلسطينية، وتصاعد العمليات العسكرية في أكثر من ساحة إقليمية.
وتبرز في هذا السياق مواقف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي أعلن في مراحل مختلفة دعمه لضم مناطق من الضفة الغربية، إلى جانب مواقف وزراء في حكومته بشأن التوسع الاستيطاني وتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة.
كما أثارت تصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بشأن الضفة الغربية، ومشروع الاستيطان المعروف باسم «إي 1» قرب القدس، مخاوف من تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا.
وفي قطاع غزة، أثارت الدعوات الإسرائيلية إلى تشجيع هجرة السكان، بالتوازي مع الحديث عن إعادة الاستيطان، انتقادات ومخاوف من تحويل الحرب إلى وسيلة لفرض تغييرات ديموغرافية وجغرافية طويلة الأمد.
أما في لبنان وسورية، فإن استمرار الضربات الإسرائيلية والتدخلات العسكرية يطرح أسئلة بشأن حدود الأهداف الأمنية الإسرائيلية، وما إذا كانت تتجاوز تحييد التهديدات المباشرة إلى محاولة فرض بيئة إقليمية أكثر ملاءمة للتفوق الإسرائيلي.
لكن الربط بين هذه السياسات وخطة ينون يحتاج إلى قراءة دقيقة؛ فالتشابه في بعض الأهداف أو النتائج لا يثبت أن كل قرار إسرائيلي يصدر اليوم تنفيذا مباشرا لمقال عام 1982. والأدق هو دراسة التقاطعات بين التصورات القديمة، والبرامج السياسية الحالية، والوقائع الميدانية، والأدلة التي تثبت وجود استمرارية فعلية بينها.
هل أصبح تفتيت الشرق الأوسط استراتيجية إسرائيلية مستمرة؟
تنبع أهمية خطة ينون من أنها قدمت، قبل أكثر من أربعة عقود، تصورا واضحا عن إمكانية تحويل الانقسامات العربية إلى أدوات لإضعاف الدول المحيطة بإسرائيل.
وتظهر التجارب الإقليمية أن انهيار مؤسسات الدولة، والحروب الأهلية، والتدخلات الخارجية، والصراعات الطائفية يمكن أن تخلق بيئات يستفيد منها خصوم الدول المتضررة، وتؤدي إلى تغيير طويل الأمد في موازين القوى.
لكن التمييز بين الفكرة والبرنامج التنفيذي يظل ضروريا. فإثبات أن خطة ينون تحولت إلى استراتيجية إسرائيلية متكاملة يتطلب تتبع القرارات والوثائق والسياسات والروابط المباشرة، وليس الاكتفاء بإسقاط التصورات الواردة في المقال على كل تطور لاحق.
وفي المقابل، فإن تجاهل هذه التصورات وما تحمله من دلالات استراتيجية قد يؤدي إلى التقليل من أهمية النقاش حول مشاريع الهيمنة الإقليمية، ومخاطر توظيف الانقسامات الداخلية، ومحاولات فرض وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة.
الخلاصة: لا تكمن أهمية خطة ينون في اعتبارها تفسيرا وحيدا لكل ما يجري في الشرق الأوسط، بل في أنها تكشف عن تصور إسرائيلي مبكر يربط التفوق الاستراتيجي بإضعاف الدول العربية وتفكيك محيطها. وبين الأفكار التي وردت في المقال والسياسات الإسرائيلية الراهنة، تبقى المسألة الأساسية هي تحديد ما تحقق فعليا، وما يتقاطع مع تلك الرؤية، وما يحتاج إلى أدلة إضافية لإثبات وجود صلة مباشرة به.
أخبار ذات صلة


غرّد قاسم قصير: دعوة لتوسيع التحالف العسكري الإسلامي لمواجهة المشروع الإسرائيلي





