اللواء عباس إبراهيم: تكوين الشخصية المتطرفة يبدأ من الفكر والتربية قبل الوصول إلى السلاح
خاص "مركز بيروت للأخبار"
أكد اللواء عباس إبراهيم المدير السابق للأمن العام اللبناني أن مواجهة الإرهاب لا تبدأ عند حمل السلاح، بل من المراحل الفكرية والتربوية والاجتماعية التي قد تسبق العنف بسنوات، مشددا على أن الأجهزة الأمنية، مهما بلغت قدراتها، لا تستطيع وحدها القضاء على الأفكار التي تنتج التطرف، ما لم تتكامل جهودها مع التربية والتوعية والعدالة ودور مؤسسات الدولة.
وجاءت مواقف إبراهيم في مداخلة تناول فيها كتاب «تكوين الشخصية المتطرفة: المناهج التربوية نموذجًا»، مستندًا إلى تجربته الطويلة في المؤسسة العسكرية والأمن العام، وإلى محطات أمنية وتفاوضية مع جماعات متطرفة، ولا سيما في مخيم عين الحلوة وعرسال وجرودها.
وطرح اللواء إبراهيم مقاربة تتجاوز المواجهة الأمنية التقليدية، لتبحث في كيفية تشكّل الشخصية المتطرفة، والعوامل التي قد تحول الاختلاف إلى إقصاء، والإقصاء إلى تكفير، وصولًا إلى تبرير العنف. كما شدد على أهمية الأمن الاستباقي والكشف المبكر عن الخطر الحقيقي، وعلى ضرورة عدم الخلط بين الانتماءات الدينية والاجتماعية والسياسية وبين السلوك المتطرف.
من الفكرة إلى الرصاصة.. أين يبدأ مسار التطرف؟
استهل اللواء إبراهيم مداخلته بالتأكيد على أهمية الكتاب، معتبرا أنه لا يخاطب الباحثين في التربية وعلم الاجتماع فحسب، بل يهم أيضا العاملين في الأمن والسياسة وإدارة الأزمات.
وأوضح أن أهمية الكتاب تكمن في العودة إلى الإنسان نفسه، والبيئة التي نشأ فيها، والأفكار التي تلقاها، والطريقة التي تعلّم من خلالها النظر إلى ذاته ومجتمعه والآخر المختلف عنه.
وقال إن تجربته الطويلة في الجيش والأمن العام، وما رافقها من تعامل مع الإرهاب والجماعات المتطرفة والمفاوضات المعقدة، جعلته يدرك أن دراسة الشخصية المتطرفة يجب أن تبدأ قبل وقوع الاعتداء، لا بعد وصول الفرد إلى مرحلة استخدام السلاح.
فالمسار قد يبدأ باختلاف فكري، ثم يتطور إلى رفض الآخر وإقصائه، ومن الإقصاء إلى تكفيره، وصولًا إلى اعتبار العنف وسيلة مشروعة للتعامل معه.
وعندما يصل المتطرف إلى السلاح، تكون الفكرة قد تحولت إلى قناعة راسخة، وربما إلى منظومة مغلقة تقسم العالم إلى «نحن» و«هم»، ولا تعترف بحق المختلف في الوجود أو المشاركة.
وشدد اللواء إبراهيم على أن التحدي الحقيقي أمام الدولة والمجتمع والأجهزة الأمنية لا يقتصر على مواجهة الإرهاب بعد وقوعه، بل يشمل فهم المسار الذي يقود إليه والتدخل قبل أن تتحول الأفكار إلى سلوك عنيف.
التدين والتطرف والتكفير.. متى يتحول الاختلاف إلى خطر؟
التدين والتطرف والتكفير.. متى يتحول الاختلاف إلى خطر؟
توقف اللواء إبراهيم عند ضرورة التمييز بين التدين والتشدد الفكري والتطرف التكفيري، مؤكدًا أن الاختلاف في تفسير النصوص أو في المواقف الدينية والسياسية لا يعني بالضرورة وجود خطر أمني.
وأوضح أن الخطورة تبدأ عندما تتحول القناعة الشخصية إلى منظومة مغلقة تدّعي امتلاك الحقيقة بصورة حصرية، وتنظر إلى المخالف باعتباره خارجًا عن الجماعة، بما قد يفضي إلى تبرير إقصائه أو استهدافه.
ولفت إلى أن المؤشر الأمني الأساسي لا يتمثل في مجرد وجود فكرة متشددة، بل في انتقالها إلى سلوك عدائي، أو التحريض على العنف، أو الاستعداد الفعلي لتنفيذه.
فالمشكلة، بحسب المقاربة التي عرضها، ليست في اعتقاد الإنسان أنه على حق وأن الآخر مخطئ، وإنما في اعتبار الاختلاف مبررًا لسلب الآخر حقه في الوجود والتعبير والمشاركة في المجتمع والدولة.
لا يولد الإنسان متطرفا.. عوامل متعددة تصنع الشخصية
أكد اللواء إبراهيم أنه لا توجد شخصية واحدة يمكن اعتمادها نموذجًا ثابتًا للمتطرف، وأن التطرف لا ينشأ بالضرورة عن عامل منفرد، بل قد يتشكل نتيجة تفاعل ظروف فكرية واجتماعية وأسرية وتربوية تختلف من شخص إلى آخر.
وتشمل هذه العوامل الخطاب الفكري المغلق، والعزلة الاجتماعية، وضعف الاندماج، والشعور بالنبذ، إلى جانب البيئات الأسرية والتربوية التي يغيب فيها الحوار، ويصبح الإقصاء أو العنف وسيلة للتعامل مع الاختلاف.
كما تناول أثر الشعور بالظلم والإهانة وفقدان الانتماء، محذرًا من اختزال الإرهاب في الفقر أو البطالة أو الاغتراب الاجتماعي.
فليس كل فقير متطرفًا، ولا كل مظلوم إرهابيًا، ولا كل من عاش الحرب يتحول إلى شخص عنيف. ولذلك، فإن فهم الظاهرة يتطلب دراسة تفاعل العوامل المختلفة، بدل تحميل عامل واحد مسؤولية مسار معقد.
وأشار اللواء إبراهيم كذلك إلى دور الإنترنت والبيئة التكنولوجية في تكرار الرسائل المتطرفة وتوفير مساحات قد تعزز الانغلاق الفكري، من دون أن يعني ذلك أن التكنولوجيا تنتج التطرف بالضرورة.
المناهج التربوية.. من يصنع وعي الأجيال؟
المناهج التربوية.. من يصنع وعي الأجيال؟
اعتبر اللواء إبراهيم أن اختيار المناهج التربوية نموذجًا لدراسة الشخصية المتطرفة ليس تفصيلًا عابرًا، لأن المدرسة لا تقتصر وظيفتها على نقل المعلومات، بل تسهم في تكوين الإنسان وصياغة ذاكرته وتشكيل علاقته بالآخر المختلف عنه.
وأوضح أن تعليم الطفل التفكير وطرح الأسئلة والنقاش يمنحه الأدوات اللازمة لفهم ما يتلقاه ونقده، في حين أن منعه من السؤال وحصر دوره في الطاعة والخضوع قد يؤديان إلى إضعاف قدرته على التفكير النقدي.
وطرح سؤالًا أساسيًا حول طبيعة الإنسان الذي تريد التربية أن تنمّيه، مشيرًا إلى أن السيطرة على الأرض قد تكون مؤقتة، بينما يمكن للسيطرة على طريقة التفكير أن تترك آثارًا طويلة الأمد.
ومن هنا، فإن اهتمام الجماعات المتطرفة بالتربية والتعليم والمناهج لا يستهدف إعداد مقاتل في الحاضر فحسب، بل قد يمتد إلى تشكيل إنسان الغد وفق رؤية مغلقة للعالم، لا تقبل الاختلاف ولا تتيح مراجعة الأفكار.
من الشعور بالظلم إلى تبرير العنف
تناول اللواء إبراهيم المراحل التي قد يمر بها الفرد قبل الانتقال إلى العنف، موضحًا أنها لا تشكل مسارًا واحدًا أو حتميًا ينطبق على الجميع.
فقد يبدأ الأمر بشعور بالظلم أو الغضب أو فقدان الانتماء، ثم البحث عن تفسير لهذه المشاعر، قبل ظهور خطاب متطرف يقدم إجابات مبسطة عن مشكلات معقدة، ويحدد جهة يحملها مسؤولية ما يجري.
وقد تترافق هذه المرحلة مع ابتعاد الفرد عن محيطه الاجتماعي، ثم إعادة تعريف الآخر بوصفه تهديدًا مطلقًا.
لكن اللواء إبراهيم شدد على أن تبني أفكار متطرفة لا يعني بالضرورة التحول إلى العنف، الأمر الذي يفرض التركيز على المؤشرات السلوكية والتحضير الفعلي للاعتداءات، بدل الاكتفاء بتصنيف الأشخاص على أساس أفكارهم.
الأمن الاستباقي.. مواجهة الخطر قبل وقوع الاعتداء
الأمن الاستباقي.. مواجهة الخطر قبل وقوع الاعتداء
أكد اللواء إبراهيم أن مواجهة الإرهاب لا تقتصر على التعامل مع الجريمة بعد وقوعها، بل تشمل الوقاية والكشف المبكر والاستجابة عندما تظهر مؤشرات الخطر الحقيقي، وهنا تبرز أهمية الأمن الاستباقي في منع وقوع الأعمال الإرهابية.
وأوضح أن التعامل الفعال مع التهديدات لا يبدأ بالضرورة عند تنفيذ الاعتداء، بل يمكن أن يبدأ من رصد المؤشرات التي تنذر بالخطر، وفهم السياقات التي قد تسمح بتطورها، واتخاذ التدابير المناسبة قبل انتقال التهديد إلى مرحلة التنفيذ.
وفي المقابل، تقتضي هذه المقاربة التمييز بين الأفكار والمواقف المختلفة من جهة، والسلوك العدائي والاستعداد للعنف من جهة أخرى، حتى لا تتحول الوقاية الأمنية إلى تصنيف عشوائي للأفراد أو المجتمعات.
وشدد اللواء إبراهيم على أن الأجهزة الأمنية لا تستطيع وحدها القضاء على التطرف العنيف، لأن جذور المشكلة قد تكون موجودة في المدرسة والحي والسجن والجامعة والإعلام، فضلًا عن مؤسسات اجتماعية أخرى.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى منظومة وطنية متكاملة تجمع بين المؤسسات الأمنية والتربوية والاجتماعية والإعلامية، وتمنح كل جهة دورًا في الوقاية والتوعية والكشف المبكر ومعالجة الظروف التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة.
الأمن يستطيع مواجهة السلاح.. لكنه لا يقضي وحده على الفكرة
عاد اللواء إبراهيم إلى مضمون الكتاب، مشددًا على أن الأمن يستطيع مواجهة السلاح ومنع الاعتداءات وملاحقة المسؤولين عنها، لكنه لا يستطيع وحده القضاء على الفكرة التي أنتجت هذا السلاح أو دفعت إلى استخدامه.
ولذلك، فإن مواجهة التطرف يجب أن تشمل التربية والتثقيف والتوعية، إلى جانب التدابير الأمنية، بما يتيح التعامل مع الظاهرة في مراحلها المختلفة، من الوقاية إلى المواجهة والمحاسبة.
وتعكس هذه المقاربة، كما عرضها إبراهيم، ضرورة الفصل بين التعامل مع النتائج الأمنية المباشرة وبين معالجة العوامل الفكرية والاجتماعية التي قد تسهم في نشوء التطرف. فنجاح العمليات الأمنية في إحباط اعتداء لا يلغي الحاجة إلى فهم البيئة التي سمحت بنمو الفكرة المتطرفة، ولا يغني عن العمل على منع تكرار المسار نفسه.
لبنان وتنوعه.. الطائفة ليست تصنيفا أمنيا
لبنان وتنوعه.. الطائفة ليست تصنيفا أمنيا
وأشار اللواء إبراهيم إلى أن هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في لبنان، نظرًا إلى تنوعه الديني والمذهبي والسياسي والاجتماعي، وما يفرضه ذلك من ضرورة التمييز بين الانتماء والسلوك الفردي.
وأكد أن «الطائفة ليست تصنيفا أمنيا، والمذهب ليس جريمة، والاختلاف السياسي ليس خطرًا»، مشددًا على عدم الخلط بين الانتماءات الاجتماعية والدينية وبين التطرف أو السلوك العنيف.
وتكتسب هذه النقطة أهمية في مجتمع متعدد مثل لبنان، حيث يمكن أن يؤدي التعميم إلى تحميل جماعات كاملة مسؤولية أفعال أفراد أو مجموعات محددة، بما يفاقم الانقسامات ويعقّد المعالجة الأمنية والاجتماعية.
وبحسب المقاربة التي قدمها إبراهيم، فإن مواجهة الإرهاب تتطلب تحديد المسؤوليات على أساس الأفعال والمؤشرات الفعلية، لا على أساس الهوية أو الانتماء، مع الحفاظ على قدرة الدولة على تطبيق القانون ومحاسبة مرتكبي الجرائم.
ضعف الدولة والعدالة.. بيئة تستغلها الجماعات المتطرفة
ربط اللواء إبراهيم فهم الشخصية المتطرفة بالبيئة الاجتماعية والسياسية التي تتحرك داخلها، محذرًا من اعتبار أي مجتمع أو طائفة أو انتماء معين منتجًا للإرهاب بصورة تلقائية.
وأوضح أن ضعف الدولة قد يتيح لجماعات السعي إلى الحلول مكانها، وأن غياب العدالة قد يمنح الخطاب المتطرف فرصة لتقديم وعود ببدائل، فيما يمكن لاضطراب الهوية أن يدفع بعض الفئات إلى الانجذاب نحو هويات مغلقة وجاهزة.
وأشار إلى أن الجماعات المتطرفة قد تمنح بعض الأفراد شعورًا زائفًا بالأهمية والانتماء، ما يجعل مواجهتها أكثر تعقيدًا من مجرد عملية عسكرية.
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر الوقاية على الإجراءات الأمنية، بل تشمل تعزيز حضور الدولة والعدالة، وفتح مساحات المشاركة، ومعالجة الظروف التي قد تستغلها التنظيمات المتطرفة لتوسيع نفوذها.
مخيم عين الحلوة.. لماذا رفض اللواء إبراهيم تعميم الاتهام؟
مخيم عين الحلوة.. لماذا رفض اللواء إبراهيم تعميم الاتهام؟
استعاد اللواء إبراهيم تجربته الأمنية في مخيم عين الحلوة، معتبرًا أن أحد الأخطاء الأساسية كان التعامل مع المخيم بأكمله باعتباره مشكلة أمنية، وهو نهج قال إنه أسهم في تعقيد الأوضاع خلال مراحل سابقة وزيادة فرص انتشار التطرف والعنف.
وأكد أن المخيم ليس كتلة أمنية واحدة، وأن سكانه لا يمكن وضعهم جميعًا في خانة واحدة، مشددًا على ضرورة تحديد مصادر الخطر والتمييز بين المجتمع الذي ينبغي حمايته والمجموعات التي قد تستخدمه غطاءً لتحركاتها.
وأوضح أن العمل الأمني لا يعني دائمًا البقاء خارج البيئة ومراقبتها، بل قد يتطلب الدخول إليها والاستماع إلى الناس وفهم العلاقات الاجتماعية وموازين القوى، ومعرفة الجهات التي يمكن أن تكون جزءًا من الحل.
واستعاد حوارا دار بينه وبين حسن منان، شقيق رئيس عصبة الأنصار، وفق ما ورد في المداخلة، حين اعترض الأخير على تعميم وصف الإرهاب على المخيم، متسائلًا عما إذا كان ذلك يعني اعتبار النساء والأطفال والفتيات إرهابيين أيضًا، ومطالبًا بحصر الاتهام بالفاعلين بدل تعميم المسؤولية على الجميع.
واعتبر اللواء إبراهيم أن هذه الواقعة تختصر إشكالية إنسانية وأمنية أساسية، تتمثل في ضرورة التمييز بين الانتماء والدوافع والأفعال والمسؤولية الفردية.
وشدد على أن الانتماء إلى جماعة لا يعني بالضرورة ارتكاب جميع أفرادها أعمالًا إرهابية، وأن فهم الظروف الاجتماعية والدوافع لا يشكل تبريرًا للإرهاب، بل يساعد على تحديد المسؤوليات بدقة.
تحسين الظروف المعيشية جزء من تثبيت الأمن
تحدث اللواء إبراهيم عن زياراته إلى عين الحلوة واطلاعه على الاحتياجات المعيشية لسكان المخيم، ولا سيما ما يتعلق بترميم المنازل وتحسين المرافق الضرورية.
وأوضح أنه جرى العمل على تسهيل إدخال مواد البناء، ومنها الإسمنت والحديد، ضمن ضوابط ورقابة واضحة تحول دون استخدامها لأغراض عسكرية أو أمنية.
وأشار إلى أن الهدف لم يكن السماح بالبناء العشوائي، بل الاستجابة لحاجات فعلية تتعلق بالترميم وتحسين المرافق، ومنها المستشفى.
واعتبر أن هذه التجربة أكدت أن الأمن لا يتحقق بالقوة وحدها، بل يتطلب أيضًا بناء الثقة وتلبية الحاجات الإنسانية والتمييز بين مرتكبي الجرائم والأشخاص الذين لم يرتكبوا أي جرم.
فالتعامل مع المجتمع بعدالة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم من دون تعميم الاتهام، يساعدان على حماية السكان وتقليص المساحات التي يمكن أن تستغلها الجماعات المتطرفة.
الحوار مع الجماعات المتطرفة.. وحدود التفاوض
الحوار مع الجماعات المتطرفة.. وحدود التفاوض
أوضح اللواء إبراهيم أن تجربة عين الحلوة أظهرت أهمية التمييز بين مكونات البيئة التي تتحرك فيها الجماعات المتطرفة؛ فهناك من يتبنى الفكر، وهناك المقاتل والمتعاطف، وهناك أشخاص يعيشون في البيئة نفسها من دون أن تكون لهم علاقة بالمشروع المتطرف.
وأكد أن وضع الجميع في خانة واحدة قد يؤدي إلى توسيع دائرة التطرف بدل محاصرتها، بينما يسهم الفصل بين المجتمع والمجموعة المسلحة في الحد من قدرتها على الاستقطاب والتجنيد.
وتحدث عن لقاءات واتصالات مع عصبة الأنصار داخل المخيم، مشيرًا إلى أن الحوار استغرق ساعات وتناول أفكارًا تتصل بالتكفير ورفض الآخر.
واعتبر أن هذه اللقاءات ساعدت على كسر بعض الحواجز وفتح قنوات تواصل أسهمت في دعم الاستقرار داخل المخيم.
لكن اللواء إبراهيم شدد في المقابل على أن الحوار لا يعني التهاون مع الاعتداءات، وأن التعهدات وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار.
استشهاد جنديين.. لماذا لا يكفي الحوار وحده؟
استعاد اللواء إبراهيم حادثة اعتداء على الجيش اللبناني أعقبت تعهدات بالحفاظ على الهدوء وعدم التعرض للمؤسسة العسكرية، مشيرًا إلى استشهاد جنديين وإلى رد حازم من الجيش.
وأكد أن ما جرى شكّل خروجًا على التفاهمات واعتداءً واضحًا على المؤسسة العسكرية، مستخلصًا أن الحوار لا يعني التهاون، وأن إعطاء الفرص لا يعني التخلي عن هيبة الدولة.
وبحسب المقاربة التي عرضها، يمكن للحوار أن يفتح الطريق أمام الحلول، لكنه لا يعفي من المحاسبة ولا يلغي ضرورة حماية المؤسسات العسكرية والأمنية. فالحزم واحترام القانون عنصران أساسيان في حماية أي تفاهم من الانهيار.
من عين الحلوة إلى عرسال وجرودها.. عندما يتحول الفكر إلى تنظيم مسلح
انتقل اللواء إبراهيم إلى تجربته في عرسال وجرودها، واصفًا إياها بأنها أكثر تعقيدًا وخطورة، إذ لم يعد المشهد مقتصرًا على خطاب متطرف أو مجموعة تتحرك داخل بيئة اجتماعية معقدة، بل ارتبط بجماعات مسلحة ومواجهات ميدانية واعتداءات على العسكريين، في ظل وجود تنظيمات مثل جبهة النصرة وتنظيم داعش.
وأشار إلى أن الشخصية المتطرفة في هذه المرحلة كانت قد انتقلت من الفكرة إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى السلاح، ثم إلى السيطرة والقتل والتهديد.
وتبرز هذه التجربة اختلاف طبيعة التحديات الأمنية بين البيئات التي يمكن التعامل معها من خلال التواصل وفهم المجتمع، وبين الحالات التي تتطور إلى مواجهات مسلحة مباشرة، مع بقاء الحاجة إلى فهم دوافع الجماعات وطريقة تفكيرها عنصرًا مهمًا في إدارة الملفات المعقدة.
أبو مالك التلي.. فهم عقلية الطرف المقابل أساس التفاوض
توقف اللواء إبراهيم عند تجربته في التفاوض مع أبو مالك التلي، أحد أبرز قياديي جبهة النصرة في ملف عرسال وجرودها، موضحًا أن الاتصالات معه كانت تتم عبر وسطاء.
وقال إن هذه التجربة أكدت ضرورة معرفة الطرف المقابل وطريقة تفكيره ومرجعياته العقائدية وحدود سلطته داخل التنظيم، فضلًا عن تحديد ما يستطيع اتخاذه من قرارات.
وأشار إلى أهمية التمييز بين ما يطرحه الطرف المقابل انطلاقًا من قناعاته العقائدية، وما يستخدمه من خطاب لرفع سقف مطالبه التفاوضية، وبين المصالح الفعلية التي يمكن العمل عليها للوصول إلى حلول.
ولفت إلى أن المصلحة قد تتقدم على الاعتبارات العقائدية في محطات عديدة، وهو ما ينبغي فهمه عند إدارة الملفات الأمنية المعقدة.
وتربط هذه التجربة بين دراسة تكوين الشخصية المتطرفة والخبرة العملية في التعامل مع الجماعات المسلحة، إذ لا يقتصر التفاوض على تبادل المطالب، بل يتطلب فهم المرجعيات والحسابات والقدرة الفعلية على اتخاذ القرار لدى الطرف المقابل.
فهم مسار التطرف أساس المواجهة
في ختام مداخلته، أكد اللواء إبراهيم أن الشخصية المتطرفة لا تظهر فجأة، بل تتشكل عبر مسار طويل من العلاقات والتجارب والأفكار والتأثيرات البيئية والاجتماعية.
واعتبر أن مواجهة التطرف لا يمكن أن تنجح إذا اقتصرت على التعامل مع نتائجه النهائية، بل يجب أن تبدأ من المراحل التي تسهم في تكوينه، من خلال التربية والتوعية والوقاية والكشف المبكر، بالتوازي مع العمل الأمني وتطبيق القانون.
وخلص إلى أن الرابط الأساسي بين الكتاب وتجربته الأمنية يكمن في فهم كيفية تشكّل التطرف، لأن إدراك هذا المسار يساعد على تطوير وسائل الوقاية والمواجهة بصورة أكثر فاعلية.
وتتمثل الخلاصة في أن مواجهة الإرهاب تحتاج إلى منظومة متكاملة: أمن قادر على منع الاعتداءات، ودولة تطبق القانون، ومؤسسات تربوية واجتماعية تعزز التفكير النقدي، ومجتمع يرفض التعميم ويحاسب المسؤولين عن أفعالهم. فمواجهة السلاح ضرورية، لكن منع الفكرة من التحول إلى عنف يتطلب عملًا يبدأ قبل أن يصل الخطر إلى الشارع.