Skip to content

هي الطاعون

ناصر أبو مطر
· 4 دقائق قراءة

هي الطاعون

صحيفة الأخبار: بقلم ناصر أبو مطر
في قراءة سياسية حادة للمشهد الأميركي وتداعيات الانتخابات النصفية، يتناول الكاتب الفلسطيني ناصر أبو مطر ازدواجية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ودور واشنطن في الحروب الإسرائيلية، معتبراً أن تبدّل موازين القوى داخل الكونغرس لا يعني بالضرورة تغيّراً في النهج الأميركي. ويربط الكاتب بين تصاعد الغضب الشعبي العالمي إزاء الحرب على غزة ولبنان وإيران، وبين تراجع الحزب الجمهوري، محذراً من أن تبدّل الوجوه السياسية لا يوقف استمرار الهيمنة والحروب.







خسر الحزب الجمهوري الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية أمام غريمه الحزب الديمقراطي الذي أصبح يمتلك الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وهما يشكلان «الكونغرس» الأميركي، صاحب الصلاحيات في إدارة البلاد التي شنّت حروباً لم تتوقف على منطقتنا، مرة بالطائرات والصواريخ من البر والبحر والجو، ودائماً عبر الهيمنة وفرض النفوذ.
هذا البلد البعيد الذي ينتج للعالم أهم إنتاجات التكنولوجيا عبر التاريخ، ينتج أعتى أسلحة القتل والدمار، ويدخل التقنيات التكنولوجية التي يطورها كالذكاء الاصطناعي في آلات القتل، فتسفك أميركا في أي مكان الدماء، في العراق بأيدي مقاتليها، وفي إيران بعقل «روبوتاتها» المبرمجة أميركياً.

هذه الحروب الكثيرة في تاريخ أميركا، كانت بقصد مزيد من السيطرة على بلدان العالم، وفرض النفوذ عليها وعلى مقدراتها، ولذلك غزت أميركا فنزويلا، وخطفت رئيسها وزوجته في جنح الليل، من دون أدنى اكتراث بالأخلاق والعلاقات الدولية والدبلوماسية. تفعل أميركا ذلك، لأنها تنظر إلى نفسها أنها القوة الأولى في العالم، وبالتالي ما تفعله في أي بلد، لا يمكن لأي بلد أن يفعله بها.

لكن في حرب الأخيرة المستمرة حتى اليوم، هي وإسرائيل على غزة ولبنان وإيران، تغيرت بعض الأمور، وإن لم تحسم حتى اللحظة. بطشت أميركا وأداتها إسرائيل ببلدان هذه المنطقة، قتلت مئات الآلاف، ودمرت أحياء ومدناً، وقتلت ما ليس عندها، الحضارة التي وإن كانت بعض بلادنا في انحطاط حاضر، إلا أن فيها حضارة تجعلها قامة القامات.

هذا الدمار الكبير الذي أحلته أميركا في منطقتنا، أوجد طريقاً لدماء أبناء جلدتنا نحو صناديق الانتخاب الأميركية، التي رجّحت كفة الحزب الديمقراطي، ففاز بأغلبية ساحقة، ليهزم حزب ترامب الجمهوري هزيمة ساحقة، جعلت ترامب وشخصيات في إدارته كنائبه جيه دفانس يقول إن الحرب كانت السبب في خسارتنا للانتخابات، وربط بأن الأصوات ذهبت للديمقراطيين بدافع إنهاء الحرب وتكلفة المعيشة وتغيير العلاقة مع إسرائيل.
جو بايدن هو الذي أرسل حاملات طائراته إلى شرق المتوسط لحماية إسرائيل،
الديمقراطيون المنتخبون، هم غطاء الإبادة التي ارتكبتها الأداة الأميركية في المنطقة المسماة إسرائيل، ورئيس هؤلاء، رئيس الولايات المتحدة السابق جو بايدن هو الذي أرسل حاملات طائراته إلى شرق المتوسط لحماية إسرائيل، ولإطلاق يدها في حرب فتحتها إسرائيل على الفلسطينيين بدءاً من قطاع غزة وصولاً إلى الضفة وكل أنحاء فلسطين المحتلة، عدا عن الدعم الأميركي للاحتلال في محاولته إبادة «الأونروا» عبر قطع الدعم عنها، وعن غيرها من المؤسسات التي تدعم الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده.

الحرب الأميركية الإسرائيلية على الفلسطينيين، والتي بدأ فصلها الحالي في أكتوبر 2023، حرب فتحت أبواب العالم على أسئلة قديمة، نيّمها العالم في أدراج النسيان، لكنها عادت لتخرج رغم أنف الجميع، ومن هذه الأسئلة، الحق في تقرير المصير، وحق الإنسان في الحياة، والتحرر من الاحتلال، ونيل الحرية بشتى الوسائل. هذه الأسئلة التي كانت ممنوعة عندما يفكر فيها الفلسطينيون، أو أي مظلوم في منطقة الشرق الأوسط، طالما الطرف الآخر إسرائيل، باتت اليوم تنفجر في وجه كل من يحاول القول إنه مع إسرائيل وإن الفلسطينيين معتدون، وهذا ما مهد أمام إيران في الحرب التي شنّت عليها، أن تقاوم الفجور الأميركي الإسرائيلي بحقها، فصمدت صموداً من المفترض أن يمكّن لبنان وفلسطين في معركتهم الواحدة لمواجهة أميركا وأداتها إسرائيل.

تظاهرات تجوب العالم لجرب اسرائيل على غزة

إن ما شاهدناه خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، من تظاهرات جابت العالم، صنعه الصلف الأميركي الإسرائيلي في تحديهم ملايين البشر حول العالم، فكل من خرج في أميركا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا وغيرها من بلدان العالم، يدرك أن هذه اليد المجرمة جاهزة لتمتد إليهم، وجاهزة لتقطع أنفاسهم تحت مسميات لم يعد العالم في أكثر من مكان يأبه بها، كمعاداة السامية التي طالما ظلت سيفاً مسلطاً على رقاب الناس في أوروبا وأميركا، لكن القتل الذي مارسته إسرائيل بحق الفلسطينيين كان هو أكبر مُعادٍ للسامية، وأكبر مُعادٍ لكل بُعد روحي مرتبط بالله والسماء والأرض.

قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية... ترامب يؤكد دعمه الكامل ...

قبل الختام، سيفرح العرب بأن نتنياهو هزم في الانتخابات الإسرائيلية، وحزب ترامب كذلك في الانتخابات النصفية الأميركية، لكن بدائلهما ليست أفضل، والأهم أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على حياة المنطقة مستمرة، ولن توقفها حكومات عربية ساقطة في أعين شعوبها التي لم تنتخبها، والتي قد تحاسب لو قالت ما قاله محمود درويش «يا هيروشيما العاشق العربي أَمريكا هي الطاعون، والطاعونُ أمريكا».

* كاتب فلسطيني

أخبار ذات صلة