حذّر الصحافي دان بيري، في مقال نشرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، من تداعيات استمرار بنيامين نتنياهو في الحكم، معتبرًا أن عودته إلى رئاسة الحكومة قد تعمّق عزلة إسرائيل الدولية، وتزيد الضغوط الاقتصادية والانقسامات الاجتماعية والسياسية داخلها. ويرى بيري أن السياسات المتعلقة بالحرب في غزة، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وأزمة تجنيد اليهود الحريديم، والخلافات بشأن استقلال القضاء، قد ترفع كلفة السياسات الإسرائيلية على المستويين الداخلي والخارجي، وصولًا إلى احتمال مواجهة عقوبات اقتصادية ودبلوماسية أوسع.
ويأتي هذا التحذير قبل الانتخابات الإسرائيلية، التي يقدمها الكاتب بوصفها محطة مفصلية لتحديد اتجاه البلاد في السنوات المقبلة، وسط تراجع الدعم الدولي لإسرائيل، وتصاعد الانتقادات الموجهة إلى الحكومة، ومخاوف من تأثير استمرار النهج السياسي الحالي على الاستثمارات والصادرات والعلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا.
تحذير إسرائيلي من العزلة الدولية والفقر في حال عودة نتنياهو
تحذير إسرائيلي من العزلة الدولية والفقر في حال عودة نتنياهو
في مقال نشرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، حذّر الصحافي دان بيري من أن استمرار بنيامين نتنياهو في الحكم قد يضع إسرائيل أمام مرحلة أكثر صعوبة على المستويات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، معتبرًا أن التصويت لمصلحة رئيس الوزراء الحالي يعني، وفق تقديره، القبول بمزيد من العزلة الدولية والفساد والانقسامات الاجتماعية وتراجع مستويات المعيشة.
وبيري هو المحرر العام السابق لوكالة «أسوشيتد برس» في أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، ومؤلف كتابين عن إسرائيل. ويستند في تحليله إلى مجموعة من الملفات التي يرى أنها أضعفت مكانة الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتها أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتعامل مع مطالب الأحزاب الحريدية المتعلقة بالإعفاء من الخدمة العسكرية، ورفض تشكيل لجنة تحقيق رسمية في الإخفاقات المرتبطة بتلك الأحداث، إلى جانب الخلافات بشأن القضاء وقضايا الفساد وتداعيات الحروب المكلفة.
ويرى الكاتب أن المعارضة الإسرائيلية لم تستثمر هذه الملفات بالقدر الكافي في حملتها السياسية، بسبب خشية قادتها من خسارة الناخبين الذين يأملون في استقطابهم من معسكر نتنياهو، معتبرًا أن هذا الحذر ساهم في تقليص الفارق في استطلاعات الرأي.
كما انتقد بيري موقف أفيغدور ليبرمان الرافض للاعتماد على الأحزاب العربية، معتبرًا أن هذا الموقف قد يعرقل تشكيل حكومة بديلة، حتى في حال وجود أغلبية برلمانية معارضة لنتنياهو.
ووصف الكاتب المشهد بأنه حالة طوارئ وطنية، محذرًا من أن استمرار السياسات الحالية قد يفاقم الانقسامات الداخلية، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الدولية والاقتصادية.
عقوبات اقتصادية محتملة وضغوط أوروبية وأمريكية
عقوبات اقتصادية محتملة وضغوط أوروبية وأمريكية
يعتبر بيري أن عودة نتنياهو إلى الحكم ضمن ائتلاف مشابه للائتلاف الحالي قد تدفع دولًا غربية إلى تشديد إجراءاتها تجاه إسرائيل، محذرًا من احتمال فرض عقوبات اقتصادية بوتيرة أسرع مما يتوقعه الإسرائيليون.
وبحسب تقديره، قد تبدأ الضغوط من أوروبا، التي تمثل شريكًا تجاريًا رئيسيًا لإسرائيل، قبل أن تتسع في الولايات المتحدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي والانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028.
كما يقارن بيري، في تحذيره، بين المسار الذي قد تواجهه إسرائيل وبين طريقة تعامل المجتمع الدولي سابقًا مع جنوب إفريقيا في عهد الفصل العنصري. وتبقى هذه المقارنة جزءًا من تقديره السياسي، وليست إعلانًا عن قرار دولي بفرض عقوبات مماثلة.
ويشير الكاتب إلى أن التحولات في الرأي العام الأمريكي، ولا سيما داخل أوساط من الحزب الديمقراطي، قد تدفع باتجاه قيود إضافية على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. ويرى أن تطور هذه المطالب إلى سياسات رسمية قد يقلص هامش المناورة العسكري للحكومة الإسرائيلية.
لكن هذه السيناريوهات تظل توقعات طرحها الكاتب، ولا تعني أن فرض عقوبات واسعة أو وقف المساعدات الأمنية قد حُسم بالفعل.
تراجع الاستثمارات وارتفاع تكاليف المعيشة
تراجع الاستثمارات وارتفاع تكاليف المعيشة
يحذّر بيري من أن تصاعد العزلة الدولية قد ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الإسرائيلي، من خلال إضعاف الشيكل، وارتفاع كلفة الواردات، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وخسارة أسواق تصديرية، وزيادة تكاليف التمويل أمام الشركات والمصارف والجامعات.
ويرى أن تراكم هذه الضغوط قد يؤدي إلى تراجع القدرة التنافسية للاقتصاد الإسرائيلي، ويضعف القطاعات التي تعتمد على الاستثمارات الدولية والتعاون العلمي والتكنولوجي والعلاقات التجارية مع الأسواق الغربية.
كما يتوقع أن تتسع القيود المفروضة على النشاط الاستيطاني، لتشمل جهات اقتصادية تتعامل مع المستوطنات في الضفة الغربية، بما فيها المؤسسات المالية التي تقدم خدمات لها.
ويحذر الكاتب من أن اتساع هذه الإجراءات قد يطال مستوطنات تقع بالقرب من الخط الأخضر، وهي مناطق يقول إن قطاعات إسرائيلية اعتادت النظر إليها باعتبارها مرشحة للبقاء ضمن إسرائيل في أي تسوية مستقبلية.
وبحسب بيري، فإن هذه التطورات قد تهدد جوانب من النجاح الاقتصادي الذي يعتز به الإسرائيليون، خصوصًا إذا تزامنت مع تراجع العلاقات التجارية والاستثمارية وتزايد تكاليف الاقتراض.
ويؤكد الكاتب أن اعتراضه على سياسات الحكومة لا ينطلق، وفق توضيحه، من الرغبة في التخلي عن المصالح الإسرائيلية لتجنب الضغوط الخارجية، بل من اعتقاده أن السياسات التي تثير الانتقادات الدولية قد تضر بإسرائيل نفسها على المدى الطويل.
غزة والضفة الغربية في قلب أزمة إسرائيل الدولية
غزة والضفة الغربية في قلب أزمة إسرائيل الدولية
يتناول بيري الحرب في غزة بوصفها أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في تراجع مكانة إسرائيل الدولية، مع الإشارة إلى أن خصومها استغلوا صور الدمار والأزمة الإنسانية لتوسيع الانتقادات الموجهة إليها.
ويقول الكاتب إنه أيد إبعاد حركة حماس عن الحكم بعد هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لكنه يعتبر أن فشل إسرائيل في وضع إطار موثوق لحماية المدنيين، وتحديد آلية واضحة لإدارة غزة بعد الحرب، وبناء تعاون دولي حول مستقبل القطاع، ألحق ضررًا كبيرًا بمكانتها الخارجية.
ومع ذلك، يرى بيري أن جذور الأزمة أعمق من الحرب في غزة، ويضع السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية في صدارة الأسباب التي يعتقد أنها تغذي التوتر مع الدول الديمقراطية.
ويعتبر أن استمرار السيطرة على ملايين الفلسطينيين من دون منحهم الاستقلال أو حقوقًا سياسية متساوية يضع إسرائيل أمام تناقض يصعب الدفاع عنه دوليًا، وفق تحليله.
كما ينتقد توسع المستوطنات خارج الجدار الفاصل، وما يصفه بتوفير غطاء سياسي لمتطرفين يهود يعتدون على الفلسطينيين والصحافيين والدبلوماسيين.
ويرى أن تصريحات إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، إلى جانب الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون، تمنح خصوم إسرائيل مادة إضافية لتصعيد حملاتهم السياسية والإعلامية ضدها.
الاعتداءات على الصحافيين والدبلوماسيين تزيد الضغوط
الاعتداءات على الصحافيين والدبلوماسيين تزيد الضغوط
استشهد بيري بحوادث وقعت قرب قرية أبو فلاح، حيث قال إن مستوطنين ملثمين اعتدوا على المصورة الصحافية الأمريكية هايدي ليفين، العاملة لدى صحيفة «واشنطن بوست»، وأصابوها بجروح خطرة.
وأشار إلى أن الحادثة أثارت غضبه، موضحًا أنه يعرف المصورة منذ سنوات ويعتبرها صحافية مهنية ومتزنة، ورأى أن الاعتداء عليها يمثل جريمة وعارًا.
كما تحدث عن حادثة أخرى قرب قرية الطيبة الفلسطينية المسيحية، قال إن مستوطنين اعتدوا خلالها على مزارعي زيتون ووفد أوروبي، وضربوا رئيس بلدية فرنسيًا يبلغ 78 عامًا، يُدعى برنار بودو، وألحقوا أضرارًا بسيارة دبلوماسية بلجيكية.
وانتقد الكاتب رد مكتب نتنياهو على الحادثة، مشيرًا إلى أن البيان ركز على دخول الدبلوماسيين منطقة حساسة من دون تنسيق مع الجيش الإسرائيلي، وتطرق إلى الانتماء السياسي لرئيس البلدية، كما شكك في دلالات الصور التي قال بيري إنها أظهرت أن الاعتداء كان منظمًا.
ويرى الكاتب أن هذه الحوادث تلحق ضررًا إضافيًا بإسرائيل، خصوصًا عندما تقع اعتداءات على مسيحيين فلسطينيين، بما قد يؤثر في مواقف قطاعات من الرأي العام المسيحي في الولايات المتحدة.
ويضيف أن طريقة تعامل الحكومة مع هذه الحوادث قد تكون، من وجهة نظره، أكثر تأثيرًا من حملات دعائية واسعة ينظمها خصوم إسرائيل، لأنها تعزز الانطباع بأن السلطات لا تتعامل بحزم كافٍ مع عنف المستوطنين.
الحريديم والقضاء والانقسامات الاجتماعية
الحريديم والقضاء والانقسامات الاجتماعية
لا يحصر بيري الأزمة الإسرائيلية في العلاقات الخارجية، بل يربطها أيضًا بالخلافات الداخلية حول استقلال القضاء والخدمة العسكرية وتوزيع الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.
وينتقد الكاتب استجابة ائتلاف نتنياهو لمطالب الأحزاب الحريدية المتعلقة بالإعفاء من التجنيد والحصول على إعانات، معتبرًا أن استمرار هذه السياسات قد يضعف التضامن المدني ويزيد الأعباء على الفئات التي تتحمل مسؤوليات الخدمة العسكرية والاقتصادية.
كما يحذر من أن تقويض استقلال القضاء وتركيز مزيد من الصلاحيات في يد الحكومة قد يضعف المؤسسات الديمقراطية، ويعمق الانقسام بين المعسكرات السياسية.
ويرى بيري أن هذه الملفات ترتبط كذلك بعلاقات إسرائيل مع يهود الولايات المتحدة، الذين يعتبر دعمهم السياسي والاجتماعي عاملًا مهمًا في الحفاظ على مستوى التأييد الأمريكي لإسرائيل.
ويحذر من أن استمرار التباعد مع قطاعات من اليهود الأمريكيين قد ينعكس على العلاقة مع الإدارة الأمريكية والكونغرس، في ظل تغيرات أوسع في مواقف الرأي العام الأمريكي تجاه الحرب والسياسات الإسرائيلية.
الانتخابات الإسرائيلية بين تغيير المسار ومخاوف استمرار الأزمة
الانتخابات الإسرائيلية بين تغيير المسار ومخاوف استمرار الأزمة
يعرض بيري الانتخابات المقبلة باعتبارها فرصة، من وجهة نظره، لتغيير الاتجاه السياسي في إسرائيل، ويرى أن تشكيل حكومة جديدة بوجوه وسياسات مختلفة قد يساعد على الحد من التدهور في العلاقات الدولية ومحاولة استعادة الثقة الخارجية.
ويدعو الكاتب أي حكومة مقبلة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الاعتداءات التي ينفذها مستوطنون، بما في ذلك الاعتقالات والمحاكمات وفرض عقوبات رادعة، معتبرًا أن حماية الفلسطينيين ومحاسبة المعتدين مسؤولية أساسية لأي حكومة ديمقراطية.
كما يدعو إلى معالجة الخلافات بشأن استقلال القضاء والتجنيد العسكري، وإعادة النظر في السياسات التي يعتقد أنها تضر بالاقتصاد والتضامن الاجتماعي والعلاقات الخارجية.
وفي ختام مقاله، يستحضر بيري قصة كاساندرا في الأساطير اليونانية، التي كانت تتنبأ بالكوارث من دون أن يصدقها أحد، ليؤكد أن التحذيرات لا ينبغي رفضها لمجرد أنها غير مريحة.
ويقر بأن بعض الحجج الإسرائيلية الرافضة لاحتمال العزلة الدولية تستند إلى اعتبارات واقعية، مثل المصالح التكنولوجية والأمنية المشتركة مع أوروبا والولايات المتحدة، لكنه يرى أن ذلك لا يضمن استمرار الدعم الدولي إذا تواصلت السياسات المثيرة للجدل.
ويخلص الكاتب إلى أن تغيير الحكومة والسياسات قد يمنح إسرائيل فرصة لمحاولة استعادة مكانتها الدولية، وتجنب مواجهة اقتصادية أوسع، مع الحفاظ على قدرتها على التعامل مع التحديات الأمنية.
يكشف مقال دان بيري في «معاريف» عن مخاوف داخل الأوساط الإسرائيلية من أن تتحول الخلافات السياسية والقرارات المتعلقة بالحرب والاستيطان والتجنيد والقضاء إلى أعباء اقتصادية ودبلوماسية طويلة الأمد. ويضع الكاتب استمرار نتنياهو في الحكم في صلب هذا التحذير، معتبرًا أن الخيارات السياسية الداخلية قد تؤثر بصورة مباشرة في علاقات إسرائيل الدولية ومستقبل اقتصادها.
لكن من المهم التمييز بين الوقائع التي يناقشها المقال، مثل الخلافات بشأن التجنيد والاستيطان والانتقادات الدولية للحرب، وبين التوقعات التي يطرحها الكاتب بشأن فرض عقوبات اقتصادية واسعة أو تراجع المساعدات الأمنية أو حدوث هجرة كبيرة. فهذه النتائج ليست حتمية، وتتوقف على قرارات الحكومات ومواقف الشركاء الدوليين والتطورات السياسية المقبلة.
وتبقى الانتخابات، وفق هذا الطرح، اختبارًا لاتجاه السياسات الإسرائيلية، وسط سؤال أساسي: هل تستطيع الحكومة المقبلة تقليص الانقسامات الداخلية واستعادة الثقة الدولية، أم أن استمرار الخلافات سيزيد الضغوط الاقتصادية والسياسية على البلاد؟