Skip to content

نوبل للآداب 2026.. كنديّة تبعث الإغريق من جديد

أيمن جزيني- أساس ميديا
· 4 دقائق قراءة

بقلم: أيمن جزيني- أساس ميديا

رنّ هاتف المرأة السبعينيّة بينما كانت تكنس مطبخ منزلها وتقوم ببعض الأعمال المنزليّة. في البداية لم تردّ على المكالمة الواردة. لكنّ إصرار زوجها وشريكها الفنّيّ روبرت كوري دفعاها إلى الردّ.

كانت المكالمة من الأكاديميّة السويديّة، وأمّا الهاتف فللشاعرة والروائيّة والمترجمة والباحثة الكنديّة آن كارسون، وفحوى الاتّصال بشرى سارّة ينتظرها سنويّاً كتّاب وروائيّون وشعراء وفنّانون كبار: الفوز بجائزة نوبل للآداب، أرفع جائزة أدبيّة في العالم.

أغلقت كارسون هاتفها وانطلقت لتحتفل بالجائزة على طريقتها: تركت هاتفها جانباً وانطلقت في نزهة إلى الغابات القريبة منها مشياً على قدمَيها لتستمتع بالهدوء. بينما كانت تمشي وسط الغابة، كان اسمها يتصدّر عناوين الصحف في العالم أجمع، ومؤلّفاتها بين أيدي القرّاء والنقّاد ونصب أعينهم، خاصّةً روايتها الشهيرة “سيرة الذات باللون الأحمر”.


أشكال جديدة كلّيّاً للأدب المعاصر



“تُمنح جائزة نوبل للأدب لعام 2026 للكاتبة الكنديّة آن كارسون، لإنتاجها الأدبيّ الجريء والمبتكر الذي استطاع، من خلال حوار حادّ ومرح مع التراث الكلاسيكيّ، إيجاد أشكال جديدة كليّاً للأدب المعاصر”، بهذه الكلمات أعلنت الأكاديميّة السويديّة فوز الكنديّة آن كارسون بجائزة نوبل للأدب لعام 2026.

أمّا الفائزة فصرّحت بنيّتها التبرّع بجزء كبير من قيمة الجائزة الأدبيّة (12 مليون كرونة سويديّة ما يعادل نحو 1.2 مليون دولار أميركيّ) لمنظّمات إنسانيّة، من بينها منظّمة “أطبّاء بلا حدود”.

تأتي جائزة نوبل هذا العام لتكلّل مسيرة الكاتبة ذات الـ76 عاماً، التي اتّسمت بالجرأة والابتكار. طوال مسيرتها الأدبيّة والبحثيّة الحافلة، لم تخضع كارسون لقواعد الأنواع الأدبيّة الصارمة، ومحت كلّ الحدود بين الشعر والمقالة والرواية والترجمة والنقد والتفكيك اللغويّ.

تتميّز تجربة كارسون بمزجها بين مختلف الأجناس الأدبيّة من شعر ومسرح ونقد أدبيّ إلى فلسفة وسينما



لا حدود في الأدب



تتميّز تجربة كارسون بمزجها بين مختلف الأجناس الأدبيّة من شعر ومسرح ونقد أدبيّ إلى فلسفة وسينما، كما تربط في أعمالها التاريخ بالحاضر، والتراث الإنسانيّ القديم، على وجه التحديد ما أنتجه الإغريق، بما خطّه مبدعو العصور اللاحقة. وتُعدّ بذلك كاتبةً جدليّةً بامتياز.

برغم شهرتها والتقدير العالميّ الذي تحظى به، يتّهمها نقّاد كثر بالغموض والتعقيد والتكلّف والاستعراض المفرط لمعارفها، وخاصّةً الإغريقيّة، وبالنقل والاقتطاع غير المشروع من أعمال شعراء آخرين من بينهم بول سيلان.

لكنّ هذه الاتّهامات تصير عند آخرين ميزات لكارسون، إذ يرون في التداخل بين أبحاثها الأكاديميّة وغموض كتاباتها وتعقيدها وتكلّفها كسراً للحدود بين مختلف الأجناس الأدبيّة، كما يرون أنّها بترجماتها من الإغريقيّة بعثت الفكر الكلاسيكيّ الإغريقيّ من جديد لفهم تعقيدات الحاضر الراهن، وهو ما أشار إليه بيان نوبل في منحها الجائزة.


“سيرة الذّات باللّون الأحمر“



لكارسون مؤلّفات عديدة تراوح بين البحوث الأكاديميّة والترجمة والشعر والرواية، غير أن روايتها “سيرة الذات باللون الأحمر”، وتحديداً جزءها الثاني “وثيقة حمراء”، أشهر أعمالها.

تعيد كارسون في “سيرة الذات باللون الأحمر” (صدرت عام 1998)، إلى الأذهان أسطورة الموت الخرافيّ للوحش الإغريقيّ “جيريون” ذي الأجنحة الحمر على يد هركليز، في قالب معاصر يصوّر “جيريون” شابّاً ومصوّراً فوتوغرافيّاً يتعامل مع عذابات النموّ والذكورة والمشاعر المتضاربة، في قالب من الشعر السرديّ.

“سيرة الذّات باللّون الأحمر“

لها أيضاً ترجمات بالغة الأهميّة لمسرحيّات يوريبيديس، وسوفوكليس، وإيسخيلوس، بالإضافة إلى تجميع وترجمة ما وصل إلينا من نصوص الشاعرة الإغريقيّة “سافو”. وترى الأكاديميّة السويديّة أنّ ترجمات كارسون ليست مجرّد نقل للنصوص من لغة إلى أخرى وإنّما هي أعمال أدبيّة مستقلّة.

أمّا دراستها الأكاديميّة والأدبيّة الأبرز فهي “إيروس: العذب المرّ” الصادرة عام 1986، وتحلّل فيها مفهوم الحبّ والشغف عند شعراء اليونان القدماء (على رأسهم سافو).

طوال مسيرتها الأدبيّة والبحثيّة الحافلة، لم تخضع كارسون لقواعد الأنواع الأدبيّة الصارمة، ومحت كلّ الحدود بين الشعر والمقالة


في مختلف أعمالها الأدبيّة، تستحضر كارسون مفكّرين وفلاسفة ومبدعين من أزمنة متباعدة، مثل أبطال الأساطير الإغريقيّة وعظماء الإغريق في المسرح والشعر والفلسفة، ليتحاوروا مع كتّاب حديثين مثل فيرجينيا وولف، وإميلي برونتي، وبول سيلان، وسيمون فايل.

لا إجابات نهائيّة



بفوز آن كارسون بجائزة نوبل، لا تُكرّم الأكاديميّة السويديّة كاتبة معاصرة وباحثة وأكاديميّة فحسب، بل تكرّم تراثاً إنسانيّاً يبدأ بالأساطير الإغريقيّة القديمة وصولاً إلى الشعر المعاصر القادر على استيعاب العلوم والنقد والمأساة والفكاهة في سياق واحد.

كارسون في مسيرتها الطويلة لا تتعامل مع التراث الإنسانيّ بوصفه أثراً تاريخيّاً أو أثراً ولّى زمنه، بل تستعيده وأبطاله لتوظّفه في فهم التجربة الإنسانيّة عموماً، وسياقات الحاضر على وجه الخصوص.

الأبرز في تجربة كارسون أنّها لا تقدّم إجابات نهائيّة في ما تطرحه، إنّما تقدّم أدباً يحاول إعادة اكتشاف العالم.

أخبار ذات صلة