نافذة على الصحافة العبرية الصادرة صباح اليوم
نرصد في هذه النافذة أبرز ما تناولته الصحافة الإسرائيلية الصادرة صباح اليوم، ونقوم بتحليل المقال وما أرادت الصحيفة ايصاله بما يتعلق بالتحولات السياسية داخل الكيان الإسرائيلي، وتداعيات الانتخابات…

نرصد في هذه النافذة أبرز ما تناولته الصحافة الإسرائيلية الصادرة صباح اليوم، ونقوم بتحليل المقال وما أرادت الصحيفة ايصاله بما يتعلق بالتحولات السياسية داخل الكيان الإسرائيلي، وتداعيات الانتخابات الأمريكية، ومستقبل العلاقة مع واشنطن، والملف الإيراني، وحسابات بنيامين نتنياهو السياسية والأمنية:
يديعوت أحرونوت: كتب ميخائيل ميلشتاين تحت عنوان:
تصعيد مع إيران؟ الجميع ينتظر أصوات الجنود
يناقش ميلشتاين كيفية قراءة إيران للهزيمة التي تعرض لها دونالد ترامب في انتخابات منتصف الولاية، باعتبارها مؤشراً إلى رفض قطاع من الجمهور الأمريكي العودة إلى الحرب، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن القيادة الأمريكية والإسرائيلية قد تكون أكثر اندفاعاً نتيجة الضغوط السياسية والخسائر التي تعرضت لها.
لا يتعامل مقال ميخائيل ميلشتاين مع احتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران باعتبارها مسألة عسكرية منفصلة عن السياسة الداخلية الأمريكية والإسرائيلية، بل يضع المواجهة في قلب التفاعلات الانتخابية التي شهدها البلدان.
وهذه نقطة أساسية لفهم الرسالة التي يحاول الكاتب إيصالها: قرار الحرب لم يعد محكوماً فقط بتقديرات المؤسسات العسكرية والاستخباراتية، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بمصير القيادات السياسية التي تواجه أزمات داخلية متزامنة.
يشير الكاتب إلى أن إيران تقرأ نتائج الانتخابات الأمريكية باعتبارها رسالة سياسية ضد استمرار الحرب، لكن هذه القراءة لا تعني بالضرورة أن طهران تعتقد أن خطر المواجهة قد انتهى. وهنا تكمن المفارقة التي يريد ميلشتاين إبرازها؛ فضعف ترامب سياسياً قد يحد من قدرته على مواصلة الحرب، لكنه قد يدفعه أيضاً إلى محاولة استعادة المبادرة من خلال قرار عسكري كبير يعيد ترتيب صورته أمام أنصاره.
ويرى الكاتب، من خلال ربطه بين الهزيمة الانتخابية والتوتر الإقليمي، أن طهران لا تستطيع الاكتفاء بمراقبة التراجع الجمهوري في الكونغرس، لأن المسألة الأكثر حساسية بالنسبة إليها هي طبيعة القرار الذي يمكن أن يتخذه ترامب خلال الفترة المتبقية من ولايته. فالرئيس الأمريكي قد يكون أقل قدرة على تمرير سياساته عبر المؤسسات التشريعية، لكنه لا يزال يمتلك صلاحيات واسعة في المجال العسكري والخارجي.
وبذلك، يضع المقال القارئ أمام احتمالين متناقضين: الأول أن تتحول نتائج الانتخابات إلى عامل ضغط باتجاه التسوية، والثاني أن تصبح سبباً إضافياً لتسريع المواجهة، قبل أن تتقلص قدرة الإدارة الأمريكية على التحرك السياسي والعسكري.
ومن المهم هنا الانتباه إلى أن ميلشتاين لا يقدم صورة لإيران باعتبارها طرفاً ينتظر ببساطة نتائج الخلافات الأمريكية، بل باعتبارها دولة تحاول استثمار التناقضات بين واشنطن وتل أبيب. فكلما ارتفعت كلفة الحرب داخل الولايات المتحدة، ازدادت قدرة إيران على استخدام عامل الوقت، وتوسيع هامش المناورة الدبلوماسية، وتحسين شروط التفاوض.
لكن الكاتب يلفت في الوقت نفسه إلى أن طهران لا تتعامل مع خصومها باعتبارهم قيادات مهزومة يمكن الاستهانة بها. فالهزيمة السياسية قد تخلق لدى بعض القادة حافزاً للانتقام أو تعويض الخسائر، خصوصاً عندما تكون الملفات الخارجية مرتبطة مباشرة بصورة القيادة أمام جمهورها.
وهنا تظهر إحدى الرسائل الأكثر أهمية في المقال: لا ينبغي لإيران أن تخلط بين تراجع شعبية ترامب وتراجع قدرته على اتخاذ قرار عسكري. فالتراجع السياسي لا يساوي بالضرورة الاعتدال في السياسة الخارجية، بل قد ينتج عنه سلوك أكثر تقلباً ومجازفة.
وعلى المستوى الإسرائيلي، يضع هذا التحليل المؤسسة الأمنية أمام معضلة واضحة. فإذا كانت واشنطن تتجه إلى تخفيف المواجهة، فإن إسرائيل قد تجد نفسها مضطرة إلى مراجعة حساباتها بشأن قدرتها على مواصلة الضغط على إيران من دون غطاء أمريكي كامل. أما إذا اتجه ترامب إلى التصعيد، فإن الحكومة الإسرائيلية ستواجه سؤالاً مختلفاً يتعلق بمدى استعدادها لتحمل تبعات جولة جديدة، في ظل وضع سياسي داخلي غير مستقر.
ويشير المقال أيضاً إلى أهمية متابعة المزاج الشعبي والعسكري، وليس الاكتفاء بالتصريحات الرسمية. فالمؤسسات العسكرية لا تعمل في فراغ، والقرار السياسي بشأن الحرب يتأثر بقدرة الدولة على تحمّل الخسائر، وبمدى استعداد المجتمع لتأييد مواجهة طويلة ومكلفة.
ومن زاوية أوسع، يمكن قراءة عنوان المقال نفسه باعتباره إشارة إلى أن المشهد لم يصل بعد إلى لحظة الحسم. فالانتظار ليس دليلاً على غياب القرار، بل قد يكون مرحلة لإعادة تقييم الخيارات، وقياس ردود الفعل، واستطلاع مدى استعداد الأطراف للانتقال من التهديد إلى التنفيذ.
ويكشف هذا الطرح عن خشية إسرائيلية من أن تتحول الحرب مع إيران إلى ملف مفتوح لا تستطيع الحكومة الإسرائيلية التحكم بمساره، خصوصاً إذا تغيرت الأولويات الأمريكية أو تراجعت قدرة واشنطن على توفير الغطاء السياسي والاقتصادي والعسكري.
أما الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها فهي أن إسرائيل لم تعد تملك رفاهية التعامل مع المواجهة الإيرانية باعتبارها ملفاً منفصلاً عن التحولات في الولايات المتحدة. فمصير العلاقة مع واشنطن، واستقرار الحكومة الإسرائيلية، وموقف الجمهور الأمريكي من الحرب، كلها عناصر باتت متداخلة في تحديد مستقبل المواجهة.
وبالتالي، فإن المقال لا يحذر فقط من احتمال تجدد الحرب، بل من مرحلة استراتيجية تصبح فيها الحسابات السياسية أكثر تأثيراً من الحسابات العسكرية، ويصبح فيها توقيت القرار جزءاً من المعركة نفسها.
معاريف: كتبت الصحيفة تحت عنوان:
حكومة الوحدة لم تخرج من الحسابات: نتنياهو لن يكون رئيسها، فهو غير مؤهل.. هذا هو القرار الجديد
تكمن أهمية هذه المادة في أنها تضع مستقبل بنيامين نتنياهو في قلب النقاش السياسي الإسرائيلي، ليس من زاوية قدرته على تشكيل حكومة جديدة فحسب، بل من زاوية احتمال انتقال معسكره السياسي إلى مرحلة يصبح فيها وجوده على رأس الحكومة عقبة أمام إعادة ترتيب السلطة.
فالعنوان لا يتحدث عن خلاف تقليدي بين أحزاب تتنافس على الحقائب الوزارية، وإنما يطرح مسألة أكثر عمقاً: هل يمكن تشكيل حكومة وحدة وطنية في إسرائيل من دون أن يكون نتنياهو رئيسها؟ وهل بدأت القوى السياسية التي كانت تتعامل معه باعتباره مركز الثقل الأساسي في اليمين تعيد النظر في هذه المعادلة؟
يشير مضمون المادة إلى أن فكرة حكومة الوحدة لا تزال مطروحة، لكن الشروط السياسية المحيطة بها تغيرت. فالمسألة لم تعد محصورة في توزيع المقاعد أو تحديد هوية الشريك الأكبر، بل باتت مرتبطة بشخص رئيس الحكومة المقبل، وبمدى قدرة نتنياهو على الاستمرار في قيادة المعسكر الذي حكم إسرائيل خلال السنوات الماضية.
ويرى الكاتب، من خلال صياغة العنوان، أن هناك تحولاً في طبيعة النقاش داخل النظام السياسي الإسرائيلي. ففي السابق كان السؤال المطروح هو كيفية إبقاء نتنياهو في السلطة، أما الآن فأصبح السؤال ما إذا كان ممكناً بناء سلطة جديدة من دون نتنياهو، حتى لو ضمت أطرافاً من المعسكر نفسه.
وهذا التحول يحمل دلالات مهمة، لأنه يشير إلى أن أزمة نتنياهو قد تتجاوز حدود المعارضة التقليدية. فحين يصبح احتمال استبعاده مطروحاً في سياق حكومة وحدة، فإن ذلك يعني أن بعض الأطراف قد تكون وصلت إلى قناعة بأن استمرار الوضع القائم يفرض تكلفة سياسية أعلى من تكلفة التخلي عن التحالف معه.
لكن لا ينبغي التعامل مع هذا الاحتمال باعتباره قراراً نهائياً داخل معسكر اليمين. فالتصريحات والمواقف المتداولة خلال المفاوضات قد تكون أيضاً أدوات ضغط لتحسين شروط التفاوض، أو انتزاع تنازلات من نتنياهو، أو اختبار مدى استعداد الأحزاب الأخرى للذهاب إلى خيار حكومة بديلة.
ومن هنا يمكن قراءة الحديث عن عدم أهلية نتنياهو لرئاسة الحكومة بوصفه رسالة سياسية ذات وجهين: وجه موجه إلى رئيس الوزراء نفسه للضغط عليه لقبول ترتيبات جديدة، ووجه موجه إلى الجمهور الإسرائيلي لإظهار أن مرحلة سياسية مختلفة قد تكون ممكنة.
ويبرز في هذا السياق التناقض بين مصلحة الأحزاب في الحفاظ على مواقعها ومصلحة المعسكر في تجنب انتخابات جديدة. فالأحزاب التي تخشى خسارة مقاعدها قد تفضّل تسوية سريعة، حتى لو تطلبت التخلي عن بعض الشعارات التي رفعتها خلال الحملة الانتخابية. وفي المقابل، قد ترى قيادات أخرى أن الدخول في حكومة واسعة مع خصومها سيؤدي إلى تفريغ برامجها السياسية من مضمونها.
وأشار المشهد الانتخابي الإسرائيلي إلى وجود كتلة معارضة واسعة تمتلك 67 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، لكن امتلاك الأكثرية العددية لا يعني امتلاك القدرة التلقائية على تشكيل حكومة مستقرة. فهذه الكتلة تضم أطرافاً متباينة في مواقفها من القضايا الأمنية والدينية والاجتماعية، كما تختلف في رؤيتها لشكل العلاقة مع الأحزاب العربية والحريدية.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الضعف التي يمكن لنتنياهو استثمارها. فحتى إذا تراجع موقعه داخل اليمين، فإنه لا يزال قادراً على الاستفادة من خلافات خصومه، وإظهارهم أمام الرأي العام باعتبارهم مجموعة أحزاب لا تستطيع الاتفاق على بديل متماسك.
ومن المرجح أن يحاول نتنياهو تحويل النقاش من مسألة بقائه الشخصي إلى مسألة الحفاظ على وحدة اليمين. فهو يستطيع تقديم أي محاولة لاستبعاده على أنها استهداف للمعسكر اليميني بأكمله، وليس مجرد تغيير في القيادة. وهذا الخطاب قد يكون فعالاً في التأثير على الأحزاب المترددة التي تخشى أن يؤدي التخلي عنه إلى تفكيك جمهورها الانتخابي.
وفي المقابل، فإن الأطراف التي تبحث عن حكومة وحدة قد تكون مدفوعة بحسابات تتجاوز نتنياهو نفسه. فإسرائيل تواجه ملفات أمنية واقتصادية ودبلوماسية ثقيلة، وأي حكومة جديدة ستحتاج إلى قدر من الاستقرار يسمح لها بالتعامل مع واشنطن، ومع الملف الإيراني، ومع التحديات الداخلية.
ومن هنا يصبح استبعاد نتنياهو، إذا تحقق، جزءاً من محاولة إعادة بناء صورة إسرائيل أمام حلفائها، وليس مجرد تغيير في أسماء المسؤولين. فالحكومة الجديدة ستكون مطالبة بإظهار أنها قادرة على اتخاذ قرارات مختلفة، وأنها لا تستمر في إدارة الملفات بالطريقة نفسها التي قادت إلى الأزمة السياسية الراهنة.
لكن هذه المعادلة ليست سهلة. فحكومة الوحدة قد تجمع خصوماً لا يملكون رؤية مشتركة بشأن القضايا الجوهرية، وقد تتحول إلى حكومة إدارة أزمة بدلاً من أن تكون حكومة تغيير. كما أن التنازلات المطلوبة لتشكيلها قد تثير غضب قواعد الأحزاب المشاركة فيها.
ويكشف المقال، من خلال طرحه لهذا الاحتمال، عن أزمة أعمق في بنية النظام السياسي الإسرائيلي: الأزمة لم تعد فقط أزمة حكومة فقدت أغلبيتها، بل أزمة قيادة وثقة وقدرة على إنتاج تسوية سياسية مستدامة.
والأهم أن نتنياهو قد يجد نفسه أمام معركة مختلفة عن المعارك التي خاضها سابقاً. فخصومه لم يعودوا وحدهم من يطالبون بتغييره، بل قد يصبح التغيير خياراً لدى أطراف كانت جزءاً من المعسكر الذي دعمه، إذا رأت أن استمرار قيادته يمنعها من العودة إلى الحكم أو من استعادة الاستقرار.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه معاريف ليس ما إذا كانت حكومة الوحدة ستتشكل خلال الأيام المقبلة، بل ما إذا كان نتنياهو لا يزال قادراً على فرض نفسه باعتباره الخيار الوحيد لقيادة اليمين الإسرائيلي. وإذا تراجعت هذه الفكرة، فإن إسرائيل تكون قد دخلت فعلياً مرحلة إعادة تشكيل القيادة السياسية، حتى قبل أن تتضح هوية الحكومة المقبلة.
إسرائيل هيوم: كتبت الصحيفة تحت عنوان:
محادثات شبه يومية: جهود فانس للتوصل إلى اتفاق مع إيران
يكتسب هذا التقرير أهمية خاصة لأنه يتناول تحركاً أمريكياً لا يمكن فصله عن التحولات السياسية التي أعقبت خسارة الجمهوريين في انتخابات منتصف الولاية. فالصحيفة تضع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في واجهة الجهود الرامية إلى إعادة فتح قنوات التفاوض مع إيران، وتكشف عن اتصالات شبه يومية مع الوسطاء القطريين والباكستانيين، في محاولة للوصول إلى تفاهم جديد بين واشنطن وطهران.
لكن قراءة ما وراء هذه المعلومات تكشف أن القضية تتجاوز مجرد استئناف المفاوضات النووية. فالولايات المتحدة تواجه مشكلة سياسية واستراتيجية تتمثل في كيفية الخروج من مواجهة مكلفة من دون الإعلان عن هزيمة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على صورة القوة القادرة على فرض شروطها على إيران.
ويشير التقرير إلى أن فانس يتولى دوراً شخصياً في إدارة الاتصالات، وأنه أرسل رسالة إلى المسؤول الإيراني محسن رضائي قبل نحو أسبوعين، اقترح فيها استئناف المفاوضات المباشرة. وهذه الإشارة مهمة لأنها توضح أن قناة الاتصال لم تعد مجرد مبادرة دبلوماسية عابرة، بل أصبحت جزءاً من تحرك سياسي تقوده شخصية بارزة في الإدارة الأمريكية.
ويرى التقرير أن فانس يتحرك في مساحة تجمع بين رغبته المعروفة في إنهاء الانخراط العسكري الأمريكي الطويل وبين حاجته إلى تحقيق نتيجة سياسية يمكن تقديمها باعتبارها إنجازاً لإدارة ترامب. فالنائب الأمريكي للرئيس لا يستطيع تجاهل أن الحرب مع إيران أصبحت مرتبطة بالخسارة الانتخابية للجمهوريين، وأن استمرارها قد يؤدي إلى تفاقم الأعباء السياسية والاقتصادية على الحزب.
ومن هنا يمكن فهم إسناد هذا الملف إلى فانس باعتباره محاولة لإعادة ضبط السياسة الأمريكية من دون أن يظهر ترامب بمظهر المتراجع عن مواقفه السابقة. فوجود نائب الرئيس في واجهة الاتصالات يسمح للإدارة بفتح نافذة دبلوماسية، مع إبقاء الرئيس في موقع صاحب القرار النهائي بشأن التصعيد أو التسوية.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم طبيعة الرسائل الأمريكية. فالتفاوض لا يعني أن واشنطن تخلت عن الخيار العسكري، كما أن إبقاء القوات الأمريكية في حالة استعداد لا يعني أن الحرب أصبحت حتمية. إن الإدارة تحاول، وفق ما يكشفه التقرير، الاحتفاظ بالمسارين في الوقت نفسه: مسار التفاوض الذي قد يحقق لها مكاسب بأقل تكلفة، ومسار الضغط العسكري الذي تستخدمه لتعزيز شروطها.
ويشير التقرير إلى مشاركة قطر وباكستان في الوساطة، إلى جانب المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. وهذا التعدد في الوسطاء يعكس رغبة واشنطن في الاستفادة من قنوات إقليمية تمتلك قدرة على التواصل مع طهران، وتستطيع تقديم ضمانات أو نقل رسائل يصعب تمريرها عبر القنوات الرسمية.
لكن اختيار قطر وباكستان ليس تفصيلاً بروتوكولياً. فكل منهما يمتلك علاقات ومصالح إقليمية تجعله معنياً بمنع انفجار مواجهة واسعة. كما أن الوساطة تسمح للولايات المتحدة بإدارة التفاوض بعيداً عن الضغوط الإعلامية المباشرة، ومنح الطرف الإيراني مساحة لاختبار المقترحات من دون الظهور بمظهر الطرف الذي يقدم تنازلات علنية.
وفي المقابل، تكشف إشارة التقرير إلى استمرار الخلاف حول مخزون اليورانيوم المخصب عن أن المفاوضات لا تزال تواجه عقدة استراتيجية أساسية. فالمسألة ليست وقف إطلاق النار فقط، وإنما تحديد طبيعة الاتفاق الذي سيحكم البرنامج النووي الإيراني، ومصير المواد المخصبة، وحدود الرقابة الدولية، والضمانات التي ستقدمها الأطراف.
ومن الواضح أن إيران لا تريد أن تتحول التسوية إلى أداة لنزع أوراق قوتها الاستراتيجية، بينما تريد واشنطن اتفاقاً يمنحها القدرة على الادعاء بأنها نجحت في الحد من التهديد النووي الإيراني. وهنا يتضح أن الفجوة بين الطرفين ليست تقنية فقط، بل تتعلق بتصور كل منهما لموازين القوى بعد الحرب.
أما الرسالة الأكثر أهمية لإسرائيل فتتمثل في أن واشنطن قد تكون بصدد إعادة ترتيب أولوياتها، بحيث تصبح التسوية مع إيران هدفاً أمريكياً يتقدم على الرغبة الإسرائيلية في مواصلة الضغط العسكري. وهذا لا يعني بالضرورة وجود خلاف معلن بين الحليفين، لكنه يفتح الباب أمام تباين في تقدير التوقيت والنتائج المطلوبة.
وتخشى إسرائيل، من هذا المنطلق، أن يؤدي الاتفاق الأمريكي الإيراني إلى تثبيت وضع إقليمي لا يحقق جميع أهدافها الأمنية، وأن تتحول التسوية إلى صيغة تمنح طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية، مقابل التزامات محدودة أو مؤقتة.
وفي الوقت نفسه، لا تستطيع الحكومة الإسرائيلية تجاهل أن الإدارة الأمريكية تواجه ضغوطاً داخلية جديدة، وأن استمرار الحرب قد يصبح أكثر صعوبة في ظل تغير موازين القوى داخل الكونغرس. وهذا يعني أن إسرائيل قد تضطر إلى التعامل مع واشنطن باعتبارها شريكاً يمتلك حسابات داخلية مستقلة، وليس مجرد طرف مستعد لتبني الرؤية الإسرائيلية في جميع الظروف.
ويلفت التقرير إلى أن الجيش الأمريكي لا يزال مستعداً لاستئناف الضربات خلال فترة قصيرة إذا صدر القرار السياسي بذلك. وهذه الإشارة تعني أن المفاوضات تجري تحت سقف التهديد العسكري، وأن واشنطن لا تريد أن تظهر وكأنها فقدت أدوات الضغط.
لكن يمكن قراءة هذا الترتيب أيضاً باعتباره محاولة للحصول على تنازلات إيرانية قبل الانتقال إلى أي تفاهم نهائي. فإبقاء الخيار العسكري حاضراً يمنح الوسطاء الأمريكيين قدرة أكبر على الضغط، ويبعث برسالة إلى طهران مفادها أن البديل عن التفاوض ليس بالضرورة استمرار الوضع الراهن، بل احتمال تجدد العمليات العسكرية.
ومن زاوية أخرى، فإن تحرك فانس يطرح سؤالاً يتعلق بمستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد انتخابات منتصف الولاية. فإذا نجحت الدبلوماسية، فقد يصبح نائب الرئيس أحد أبرز الوجوه التي ستقدم نفسها باعتبارها قادرة على الجمع بين القوة والتفاوض. أما إذا فشلت، فقد يجد نفسه أمام اختبار صعب يتعلق بمدى قدرته على منع العودة إلى الحرب التي ساهمت في إضعاف الحزب الجمهوري.
والأهم أن إسرائيل هيوم لا تعرض المفاوضات باعتبارها نهاية للمواجهة، بل باعتبارها مرحلة جديدة من الصراع على شروط التسوية. فإيران تحاول الحفاظ على أوراقها، وواشنطن تريد الخروج بنتيجة قابلة للتسويق داخلياً، بينما تخشى إسرائيل أن تدفع ثمن اتفاق لا ينسجم مع تقديراتها الأمنية.
وبذلك، فإن ما يجري ليس مجرد مفاوضات بين دولتين، بل اختبار لمستقبل التوازن الإقليمي، ولقدرة الولايات المتحدة على الجمع بين احتواء إيران ومنع انهيار نفوذها في المنطقة، ولقدرة إسرائيل على التأثير في قرار حليفها الأكبر عندما تتعارض الحسابات الاستراتيجية مع الأولويات الانتخابية الأمريكية.
هآرتس: كتبت تحت عنوان:
أردوغان والسعوديون قد يجدون آذاناً صاغية لدى ترامب، لكن الكونغرس الجديد سيكون صوته أعلى
يحمل عنوان المقال رسالة سياسية تتجاوز النقاش التقليدي حول العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. فالإشارة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والسعودية، في مقابل الكونغرس الأمريكي الجديد، تعكس تحولاً في طبيعة مراكز التأثير على السياسة الخارجية الأمريكية، وتحديداً في الملفات المرتبطة بالشرق الأوسط وإسرائيل.
فالصحيفة تطرح فكرة أساسية مفادها أن إسرائيل لم تعد قادرة على التعامل مع البيت الأبيض باعتباره مركز القرار الأمريكي الوحيد، وأن التغيرات التي طرأت على الكونغرس قد تفرض قيوداً جديدة على قدرة الإدارة الأمريكية على تبني السياسات التي تريدها الحكومة الإسرائيلية.
ويشير العنوان إلى أن أردوغان والسعوديين قد يمتلكون قنوات تأثير على الرئيس الأمريكي، لكن الكونغرس الجديد سيكون أكثر حضوراً في صياغة المواقف والقرارات. وهذا التمييز ليس شكلياً؛ لأنه يعكس إدراكاً بأن السياسة الخارجية الأمريكية لا تُصنع عبر العلاقات الشخصية وحدها، بل تتأثر بتوازنات المؤسسات ومواقف الأحزاب والاتجاهات المتغيرة داخل المجتمع الأمريكي.
ويرى الكاتب أن إسرائيل تواجه واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي اعتادت عليه خلال السنوات الماضية. فالعلاقة الخاصة بين نتنياهو والجمهوريين لم تعد كافية لضمان استمرار الدعم الأمريكي بالشكل نفسه، خصوصاً بعد نتائج الانتخابات التي أعادت الديمقراطيين إلى موقع أكثر قوة داخل المؤسسة التشريعية.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن الكونغرس لا يقتصر دوره على إصدار البيانات أو التعبير عن المواقف السياسية، بل يمتلك أدوات عملية تتعلق بالتمويل والمساعدات العسكرية والرقابة على أداء الإدارة، إضافة إلى دوره في النقاشات المتعلقة بالعمليات العسكرية والاتفاقيات الدولية.
وبالتالي، فإن صعود تيار ديمقراطي أكثر انتقاداً لسياسات إسرائيل قد ينعكس تدريجياً على طبيعة العلاقة بين البلدين، حتى لو بقي ترامب في البيت الأبيض، وحتى لو استمرت العلاقات الأمنية والعسكرية الرسمية.
ومن المهم هنا التمييز بين تراجع الدعم السياسي التلقائي لإسرائيل وبين انهيار التحالف الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي. فالمقال لا يثبت أن واشنطن قررت التخلي عن إسرائيل، لكنه يسلط الضوء على أن العلاقة أصبحت أكثر عرضة للنقاش والمساءلة، وأن بعض المسلمات التي كانت تحكمها بدأت تتعرض للاهتزاز.
ويكتسب الحديث عن تركيا والسعودية أهمية إضافية، لأن البلدين يمتلكان أوراقاً إقليمية لا يمكن لواشنطن تجاهلها. فالسعودية ترتبط بمصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية واسعة مع الولايات المتحدة، فيما تمتلك تركيا موقعاً جغرافياً وسياسياً مهماً في ملفات الشرق الأوسط وحلف شمال الأطلسي.
ويمكن قراءة الإشارة إلى هذين البلدين باعتبارها تحذيراً إسرائيلياً من احتمال إعادة توزيع النفوذ في المنطقة. فإذا أصبحت واشنطن أكثر اهتماماً ببناء تفاهمات إقليمية واسعة، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة تتطلب منها تقديم تنازلات أو تعديل بعض سياساتها للحفاظ على موقعها في الحسابات الأمريكية.
وهنا تظهر العلاقة بين التحولات في الكونغرس والمنافسة الإقليمية. فإسرائيل لا تواجه فقط تياراً ديمقراطياً أكثر انتقاداً لسياساتها، وإنما تواجه أيضاً بيئة إقليمية تسعى فيها قوى أخرى إلى تقديم نفسها باعتبارها شريكاً أكثر قدرة على المساهمة في الاستقرار.
ومن بين الرسائل التي يمكن استخلاصها من المقال أن الحكومة الإسرائيلية قد تكون مطالبة بإعادة النظر في طريقة تعاملها مع الولايات المتحدة. فالاعتماد على العلاقة الشخصية بين نتنياهو وترامب لم يعد ضمانة كافية، خصوصاً إذا أصبح الكونغرس أكثر ميلاً إلى مراقبة الدعم المقدم لإسرائيل وربطه بمواقفها السياسية والعسكرية.
وهذا يفتح الباب أمام احتمال ظهور خلافات جديدة حول المساعدات العسكرية، والعمليات في المنطقة، والسياسة تجاه الفلسطينيين، ومستقبل العلاقة مع الدول العربية.
وفي هذا السياق، فإن أي إدارة إسرائيلية مقبلة ستواجه اختباراً صعباً: هل تستطيع إعادة بناء التوافق الحزبي الأمريكي حول إسرائيل، أم أن الانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة سيصبح عاملاً دائماً في العلاقة الثنائية؟
ومن الواضح أن هذا التحدي لا يرتبط فقط بشخص نتنياهو. فحتى لو تشكلت حكومة إسرائيلية جديدة بقيادة غادي آيزنكوت أو أي شخصية أخرى، فإنها ستواجه واقعاً أمريكياً تغيرت فيه طبيعة النقاش حول إسرائيل، ولم يعد الدعم غير المشروط موقفاً يحظى بالإجماع نفسه داخل الحزبين.
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي ينبغي الانتباه إليها: تغيير الحكومة الإسرائيلية قد يساعد في تحسين العلاقات مع الديمقراطيين، لكنه لا يضمن عودة العلاقة إلى ما كانت عليه. فهناك ملفات أعمق تتعلق بالحرب والسياسات الإقليمية والقانون الدولي ومكانة إسرائيل لدى الأجيال الأمريكية الجديدة.
ومن زاوية أخرى، يمكن فهم التركيز على الكونغرس باعتباره إشارة إلى أن إسرائيل تحتاج إلى استراتيجية دبلوماسية تتجاوز التواصل مع البيت الأبيض. فالتأثير في واشنطن يتطلب بناء علاقات مع أعضاء الكونغرس من الحزبين، ومؤسسات البحث والإعلام والرأي العام، وليس الاكتفاء بالرهان على الإدارة القائمة.
كما أن المقال يلمح إلى أن الدول الإقليمية الأخرى أصبحت أكثر قدرة على التحرك في واشنطن، سواء عبر العلاقات الاقتصادية أو المصالح الأمنية أو الوساطات السياسية. وهذا يضع إسرائيل أمام منافسة دبلوماسية جديدة لا يمكن مواجهتها بالخطاب التقليدي وحده.
وفي المقابل، لا ينبغي المبالغة في تفسير هذا التحول باعتباره نهاية للتحالف الأمريكي الإسرائيلي. فالمصالح الأمنية والعسكرية والتكنولوجية بين البلدين لا تزال عميقة، لكن طبيعة التفاهم السياسي الذي يحكمها قد تتغير، وقد تصبح المساعدات والتعاون أكثر ارتباطاً بالمواقف الأمريكية الداخلية.
والأخطر بالنسبة إلى إسرائيل أن يتحول هذا التراجع في الدعم التلقائي إلى عنصر ضغط طويل الأمد، يحد من هامش تحركها في الملفات العسكرية والدبلوماسية، ويجعل كل قرار إسرائيلي كبير موضع نقاش داخل المؤسسات الأمريكية.
وبذلك، فإن الرسالة الأعمق التي تحملها هآرتس هي أن إسرائيل تدخل مرحلة لا يكفي فيها امتلاك علاقة جيدة مع الرئيس الأمريكي، بل بات عليها أن تأخذ في الحسبان التوازنات داخل الكونغرس، ومصالح القوى الإقليمية، والتحولات في الرأي العام الأمريكي.
وهذا يعني أن الأزمة الإسرائيلية الأمريكية ليست مجرد خلاف عابر بين مسؤولين، وإنما قد تكون بداية تحول في طبيعة العلاقة الاستراتيجية، من تحالف يقوم على دعم سياسي واسع إلى شراكة تتطلب مفاوضات مستمرة وتبريراً متزايداً للسياسات الإسرائيلية.
ماذا تقول الصحافة الإسرائيلية في هذا التوقيت؟
عند وضع المواد الأربع جنباً إلى جنب، تظهر ثلاثة اتجاهات رئيسية في النقاش الإسرائيلي:
أولاً: أزمة القيادة السياسية: لم يعد النقاش محصوراً في قدرة نتنياهو على الاحتفاظ بمنصبه، بل أصبح متعلقاً بإمكانية إعادة تشكيل معسكر اليمين، والبحث عن صيغة حكم جديدة تستطيع تجاوز الانقسامات التي أفرزتها الانتخابات.
ثانياً: القلق من التحول الأمريكي: تتعامل الصحافة الإسرائيلية مع نتائج الانتخابات الأمريكية باعتبارها تطوراً يتجاوز خسارة الجمهوريين لمقاعد الكونغرس. فالمسألة تتعلق بمستقبل الدعم الأمريكي، وباحتمال أن تصبح إسرائيل أمام إدارة أكثر تقييداً في خياراتها، حتى مع بقاء ترامب في البيت الأبيض.
ثالثاً: المفاوضات مع إيران: تكشف المواد أن تل أبيب تراقب التحركات الأمريكية بحذر، لأن نجاح المفاوضات قد يفرض واقعاً لا يتوافق بالضرورة مع أهدافها الأمنية، بينما يحمل تجدد الحرب مخاطر سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة.
واللافت أن هذه الملفات الثلاثة ليست منفصلة. فضعف نتنياهو الداخلي يؤثر في قدرته على التأثير في واشنطن، والتحول الأمريكي يؤثر في خيارات إسرائيل تجاه إيران، وأي اتفاق مع طهران قد يعيد ترتيب الأولويات السياسية والأمنية داخل إسرائيل.
لذا تبدو إسرائيل أمام لحظة إعادة تموضع تاريخية؛ قيادة مأزومة، وواشنطن متغيرة، وإيران تفاوض تحت الضغط. وبين هذه التحولات، تتراجع قدرة نتنياهو على التحكم بمسارات المواجهة الإقليمية.
أخبار ذات صلة







