اكتشاف نظام كوني نادر يضم ثلاثة نجوم بمصائر مختلفة
بدأت القصة بإشارات راديوية منتظمة من نجم نيوتروني، لكن تغيرات محيّرة في توقيتها دفعت الفلكيين إلى إعادة فحص البيانات لسنوات. وبعد خمس سنوات من الرصد والتحليل، قاد اللغز إلى اكتشاف رفيق نجمي ثالث خفي، كشف عن نظام كوني نادر يجمع نجمًا نابضًا وقزمًا أبيض ونجمًا شبيهًا بالشمس، قد تكون الأجرام الثلاثة قد نشأت من السحابة الكونية نفسها.
اكتشاف فلكي جديد يحل لغز النجم النابض
النظام ثاني نظام ثلاثي مؤكد يضم نجمًا نابضًا ورفيقين نجميين
ووفقًا للمعطيات الواردة في الدراسة، يُعد هذا النظام ثاني نظام ثلاثي مؤكد يضم نجمًا نابضًا ورفيقين نجميين، لكنه أول نظام معروف من هذه الفئة يحتوي على نجم ثالث لا يزال في مرحلة التطور النجمي المعتادة، بدلًا من أن يكون بقايا نجمية.
وكان التلسكوب الراديوي الصيني العملاق «فاست»، البالغ قطره 500 متر، قد اكتشف النجم النابض في يونيو/حزيران 2020.
والنجوم النابضة هي بقايا شديدة الكثافة لنجوم ضخمة انفجرت، تدور بسرعات عالية وتطلق حزمًا من الإشعاع تظهر للمراقبين على الأرض على هيئة نبضات منتظمة، ما يجعل توقيتها أداة دقيقة لتتبع حركتها والتغيرات التي تتعرض لها.
جاذبية نجم خفي تفسر التباطؤ الغامض
جاذبية نجم خفي تفسر التباطؤ الغامض
اعتمد الباحثون على 192 قياسا لتوقيت النبضات، كشفت أن النجم النابض يدور مع قزم أبيض في مدار يستغرق نحو ثمانية أيام. والقزم الأبيض هو بقايا نجم استنفد مراحله التطورية وفقد طبقاته الخارجية، وهو المصير الذي يُتوقع أن تصل إليه الشمس بعد بضعة مليارات من السنين.
لكن توقيت الإشارات أظهر تغيرات غير مألوفة جعلت النجم النابض يبدو وكأن دورانه يتباطأ بمعدل أكبر بكثير من المعتاد لدى هذه الفئة من النجوم.
وقاد الباحث هان جينلين، من المرصد الفلكي الوطني الصيني، فريقا أعاد تحليل بيانات «فاست»، ودمجها مع أرصاد ضوئية وتحت حمراء من مسوحات السماء، إلى جانب بيانات أشعة غاما التي جمعها تلسكوب «فيرمي» التابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا.
ورغم ندرة فوتونات أشعة غاما، أتاحت بيانات امتدت قرابة 17 عاما تتبع حركة النظام بصورة أدق، والمساعدة في تحديد وجود رفيق ثالث لم يكن واضحا في الرصد الأولي.
وتشير الحسابات إلى أن هذا الرفيق نجم قريب في كتلته من الشمس، يدور حول الزوج الداخلي في مدار بيضاوي يستغرق نحو 73.5 سنة، فيما يبعد النظام عن الأرض قرابة 6900 سنة ضوئية.
والأهم أن جاذبية النجم الثالث تؤثر في حركة الزوج الداخلي، فتُحدث تغيرات في توقيت النبضات يمكن أن تُفسَّر خطأً على أنها تباطؤ استثنائي في دوران النجم النابض. وبذلك، قدمت الجاذبية تفسيرًا للغز الذي حيّر الباحثين، من دون الحاجة إلى افتراض أن النجم يفقد طاقته بالمعدل غير المعتاد نفسه.
ثلاثة نجوم.. وثلاثة مسارات تطورية مختلفة
النظام النجمي الثلاثي النادر يضم نجما نابضا وقزما أبيض ونجما شبيها بالشمس (الأكاديمية الصينية للعلوم)
يرجح الفريق العلمي أن الأجرام الثلاثة نشأت معا، لكنها سلكت مسارات مختلفة بفعل اختلاف كتلها. فقد تحول النجم الأكبر إلى نجم نيوتروني، وانتهى النجم الثاني إلى قزم أبيض، بينما بقي الثالث نجمًا عاديًا شبيهًا بالشمس.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أن وجود نجم لا يزال في مرحلة تطوره المعتادة يتيح للعلماء دراسة نظام ثلاثي يضم بقايا نجمية ونجمًا لم يصل بعد إلى المرحلة النهائية من تطوره.
ويختلف هذا التكوين عن نظام ثلاثي آخر يضم نجمًا نابضًا وقزمين أبيضين، إذ يوفر النظام الجديد فرصة لفهم المراحل التي تمر بها النجوم داخل الأنظمة المتعددة، وكيف تؤثر الجاذبية المتبادلة في حركتها وتطورها عبر الزمن.
كما توصل فريق أوروبي مستقل إلى تفسير ثلاثي مماثل، ما يعزز الاستنتاجات المطروحة، مع بقاء بعض تفاصيل هندسة المدارات بحاجة إلى مزيد من الرصد والتحسين.
مختبر كوني لاختبار الجاذبية
مختبر كوني لاختبار الجاذبية
يرى الباحث هان جينلين أن النظام يمثل مختبرًا طبيعيًا لدراسة التفاعل بين ثلاثة أجسام تحت تأثير الجاذبية، وهي مسألة معقدة تتغير فيها حركة كل جسم تبعًا لتأثير الجسمين الآخرين.
وقد تساعد متابعة النظام مستقبلًا في اختبار جوانب من نظريات الجاذبية في ظروف فلكية تختلف كثيرًا عن الظروف المتاحة في المختبرات الأرضية، فضلًا عن تحسين فهم العلماء لتطور الأنظمة النجمية المتعددة.
أما على المدى البعيد، فقد يتحول النجم الثالث بدوره إلى قزم أبيض، لتضم المنظومة حينها ثلاثة أجرام تمثل بقايا نجمية لمصائر مختلفة.
وهكذا، لم يكشف انتظام النبضات الراديوية عن خصائص النجم النابض وحده، بل فتح نافذة على نظام كوني نادر، أظهرت فيه الجاذبية الخفية كيف يمكن لرفيق بعيد أن يغير تفسير العلماء لما يرصدونه على بعد آلاف السنين الضوئية.