حذّرت صحيفة "ديلي تلغراف" من تصاعد الانقسامات السياسية والدينية والاجتماعية داخل إسرائيل، في ظل احتدام الخلافات بشأن تجنيد اليهود الحريديم في الجيش، وتزايد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، والانقسام حول مستقبل الحكومة والسياسات المتبعة تجاه الفلسطينيين. ونقلت الصحيفة، في تقرير أعده هنري بودكين، مزاعم بشأن تقييم استخباراتي أمريكي يحذّر من مخاطر التفكك الداخلي، في وقت تستعد فيه إسرائيل لانتخابات قد تعيد رسم المشهد السياسي وتفاقم المواجهة بين المعسكرات المتنافسة.
ويشير التقرير إلى أن الضغوط الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع الإنفاق العسكري، والخلافات حول الخدمة العسكرية، واتساع الهوة بين التيارات الدينية والعلمانية، قد تزيد من حدة التوترات الداخلية. كما يسلط الضوء على مخاوف قطاعات من الإسرائيليين من عودة الاحتجاجات الواسعة أو تصاعد الاضطرابات المدنية، في حال تشكلت حكومة جديدة بقيادة بنيامين نتنياهو أو تولت السلطة قوى تتبنى سياسات أكثر تشددًا.
تقرير ديلي تلغراف عن الانقسام داخل إسرائيل
تقرير ديلي تلغراف عن الانقسام داخل إسرائيل
نشرت صحيفة "ديلي تلغراف" تقريراً أعده هنري بودكين، تناول تصاعد الانقسامات داخل إسرائيل، مستنداً إلى ما وصفه بتقييم سري مزعوم لـ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه»، يحذّر من مخاطر التفكك الداخلي نتيجة الضغوط الاقتصادية والتوترات السياسية والاجتماعية.
وبحسب التقرير، فإن خطوط الصدع داخل المجتمع الإسرائيلي تتسع، خصوصا بين التيارات الدينية والعلمانية، وسط خلافات بشأن التجنيد العسكري، وسياسات الحكومة، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، ومستقبل العلاقة بين المؤسسات السياسية والمجتمع.
وأشار الكاتب إلى أن التقييم الاستخباراتي المزعوم نُسب إلى «الخلية الحمراء» التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، وهي وحدة متخصصة في تحدي الافتراضات السائدة وتحليل السيناريوهات البديلة. إلا أن التقرير، وفق ما أوردته الصحيفة، لم يُنشر إلا عبر موقع «دروبسايت نيوز»، ولم تؤكده الحكومة الأمريكية.
ورغم عدم التحقق المستقل من صحة هذا التقييم، نقلت الصحيفة عن محللين اعتقادهم بأن المخاطر التي يتناولها تعكس توترات قائمة بالفعل داخل إسرائيل، وإن كان الحديث عن التفكك أو الحرب الأهلية يبقى سيناريو تحذيريًا وليس نتيجة مؤكدة.
أزمة تجنيد الحريديم تفجّر الخلافات الدينية والعسكرية
أزمة تجنيد الحريديم تفجّر الخلافات الدينية والعسكرية
سلط التقرير الضوء على حادثة وقعت في آب/أغسطس، عندما رفض جنود من كتيبة روتم التابعة للواء غفعاتي المشاركة في دورية قتالية بقطاع غزة، بسبب وجود مسعفة داخل ناقلة جنود مدرعة من طراز «نمير».
وبحسب الرواية التي أوردتها الصحيفة، أُلغيت العملية رغم محاولات قائد المجموعة إقناع الجنود بالمشاركة، قبل أن يُحكم لاحقًا على 16 منهم بالاعتقال العسكري، في خطوة أثارت استياءً في أوساط الحريديم.
وتعكس هذه الحادثة، وفق التقرير، حجم التعقيدات التي تواجه المؤسسة العسكرية في التعامل مع بعض الجنود الذين يربطون مشاركتهم في الخدمة بشروط دينية محددة، في وقت يرفض فيه عشرات الآلاف من اليهود الحريديم أداء الخدمة العسكرية، متمسكين بالتفرغ للصلاة ودراسة النصوص الدينية.
وتزداد حساسية القضية منذ هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبتها، خصوصًا مع اضطرار جنود الاحتياط إلى أداء فترات خدمة طويلة، ما أعاد فتح النقاش بشأن توزيع الأعباء العسكرية بين مختلف فئات المجتمع الإسرائيلي.
وذكر التقرير أن الشرطة العسكرية اعتقلت 42 رجلًا من الحريديم في مطار بن غوريونخلال الأسبوع الذي تناوله، للاشتباه في التهرب من التجنيد. كما شهدت بلدة موديعين أعمال شغب بعد محاولة اعتقال أحد المشتبه بهم في التهرب من الخدمة.
وفي المقابل، يتبنى عدد من خصوم نتنياهو السياسيين، بمن فيهم جنرالات سابقون، مواقف تدعو إلى فرض التجنيد على الحريديم، ما يزيد من حدة المواجهة بين القوميين المتدينين والقطاعات التي تطالب بتوزيع أكثر توازنًا للمسؤوليات العسكرية.
الانتخابات ومستقبل نتنياهو يهددان بتوسيع الاستقطاب
الانتخابات ومستقبل نتنياهو يهددان بتوسيع الاستقطاب
تضع الانتخابات المرتقبة، وفق التقرير، الخلافات الداخلية في صلب المشهد السياسي الإسرائيلي، إذ يرى الكاتب أن النتائج المحتملة، سواء أفضت إلى بقاء بنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة أو إلى تشكيل حكومة بديلة بقيادة غادي آيزنكوت، قد تفتح الباب أمام موجة جديدة من الصراع السياسي والاجتماعي.
ونقلت الصحيفة عن بيث أوبنهايم، الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، قولها إن الاستقطاب داخل إسرائيل بلغ مستوى يجعل أي نتيجة انتخابية عرضة لردود فعل قوية من المعسكر المقابل.
وأضافت أن مستقبل البلاد بات موضع تساؤلات واسعة، محذرة من احتمال اندلاع صراعات واضطرابات مدنية بين المتدينين والعلمانيين.
وبحسب التقرير، قد تؤدي النتائج غير الحاسمة أو محاولات تشكيل ائتلافات متنافسة إلى تعميق الانقسامات، لا سيما إذا ارتبطت بتغييرات في سياسات التجنيد أو التعامل مع المستوطنين أو إدارة الحرب وتداعياتها.
كما استحضر الكاتب الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إسرائيل عام 2023 رفضًا لمحاولات الحكومة إضعاف السلطة القضائية، إلى جانب التحركات التي طالبت بإعطاء الأولوية لاستعادة الأسرى بدلًا من مواصلة الحرب على حماس.
ويرى التقرير أن عودة هذه الاحتجاجات تبقى أحد السيناريوهات المحتملة في حال تصاعدت الخلافات السياسية بعد الانتخابات، من دون أن يعني ذلك أن اندلاع اضطرابات واسعة أمر محسوم.
عنف المستوطنين يضع الحكومة المقبلة أمام اختبار صعب
عنف المستوطنين يضع الحكومة المقبلة أمام اختبار صعب
تطرق تقرير «ديلي تلغراف» إلى تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، مشيرًا إلى حوادث استهدفت صحافيين ودبلوماسيين أوروبيين، وأثارت مخاوف بشأن قدرة السلطات الإسرائيلية على احتواء الاعتداءات.
وذكر التقرير أن المصورة الصحافية هايدي ليفين، العاملة لدى صحيفة «واشنطن بوست»، تعرضت للضرب على أيدي مستوطنين، في حادثة كادت أن تؤدي إلى فقدان أحد أصابعها. كما أشار إلى تعرض وفد من الدبلوماسيين الأوروبيين لهجوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة في اليوم التالي، وإلى مزاعم بشأن الاعتداء على رئيس بلدية فرنسية يبلغ من العمر 78 عامًا باستخدام قضيب حديدي.
وبحسب الصحيفة، لم يتراجع الاهتمام بهذه الحوادث بعد اعتقال عشرة مستوطنين، خصوصًا في ظل الانتقادات المتعلقة بمدى قدرة السلطات على منع تكرارها ومحاسبة المتورطين فيها.
وفي تل أبيب وحيفا وهرتسيليا، ينظر بعض الإسرائيليين من الطبقة الوسطى إلى هذه التطورات بقلق، معتبرين أن سياسات الحكومة تجاه المستوطنين قد تضر بصورة إسرائيل الدولية، فضلًا عن تأثيرها في الوضع الأمني والسياسي الداخلي.
وأشار التقرير إلى أن أي حكومة مستقبلية تسعى إلى الحد من عنف المستوطنين أو إزالة البؤر الاستيطانية غير القانونية قد تواجه مقاومة من جماعات متشددة، بما يرفع احتمالات حدوث مواجهات داخلية.
كما نقل عن مصادر عسكرية أن الجيش الإسرائيلي يعزز قواته في الضفة الغربية لمواجهة تصاعد عنف المستوطنين والتوسع السريع في إقامة بؤر استيطانية غير قانونية.
سموتريتش وبن غفير والاستيطان في قلب المواجهة السياسية
سموتريتش وبن غفير والاستيطان في قلب المواجهة السياسية
تناول التقرير تنامي نفوذ التيار القومي الديني، من خلال زيارة الصحيفة تجمعات استيطانية في الضفة الغربية، حيث احتفلت 13 عائلة يهودية متدينة بافتتاح مستوطنة جديدة أُطلق عليها اسم «غاد ناتان»، في منطقة تقع بين القدس والخليل.
ونقل الكاتب عن شوفاف رابورت تأكيده أن مواصلة البناء الاستيطاني تمثل تحديًا رئيسيًا، فيما تحدثت وزيرة الاستيطان أوريت ستروك خلال حفل الافتتاح عن ضرورة إلغاء اتفاقيات أوسلو.
كما أشار التقرير إلى مواقف مؤيدين لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش، زعيم الحزب الصهيوني الديني، الذي دعم توسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وإلى تصريحات عبّر فيها بعض المشاركين عن تأييدهم ترحيل الفلسطينيين أو تشجيعهم على مغادرة المنطقة.
وتثير هذه المواقف مخاوف بشأن مستقبل الفلسطينيين في الضفة الغربية، كما تزيد من حدة الخلافات مع قطاعات إسرائيلية تعارض السياسات الاستيطانية أو تخشى انعكاساتها القانونية والدبلوماسية والأمنية.
وتناول التقرير أيضًا صعود إيتمار بن غفير، زعيم حزب «عوتسما يهوديت» المعروف باسم «القوة اليهودية»، مشيرًا إلى خطابه القومي المتشدد ومواقفه تجاه الأسرى الفلسطينيين والمستوطنين.
ويشير الكاتب إلى أن سموتريتش وبن غفير يمثلان تيارًا يتعامل بقدر كبير من التحدي مع الانتقادات الدولية، في حين تحاول قطاعات أخرى من اليمين الإسرائيلي مراعاة أثر السياسات الحكومية على صورة إسرائيل وعلاقاتها الخارجية.
وفي هذا السياق، تعهد غادي آيزنكوت، القائد العسكري السابق، بمواجهة ما وصفه بـ«الإرهاب اليهودي» في الضفة الغربية. غير أن التقرير يرى أن تنفيذ سياسة أكثر صرامة تجاه المستوطنين قد يواجه تحديات ميدانية وسياسية، خصوصًا في المناطق التي يتمتع فيها التيار القومي الديني بنفوذ واضح.
مخاوف الهجرة وتداعيات الانقسام على مستقبل إسرائيل
مخاوف الهجرة وتداعيات الانقسام على مستقبل إسرائيل
تطرق التقرير إلى تزايد الحديث عن الهجرة من إسرائيل بين بعض الليبراليين والقطاعات الأكثر ثراءً، في حال عودة حكومة بقيادة نتنياهو أو وصول قوى تتبنى سياسات أكثر تشددًا.
واستشهد باستطلاع أجرته قناة «كان نيوز» في آب/أغسطس، أظهر أن 12% من الإسرائيليين المشاركين قالوا إن نتيجة الانتخابات ستؤثر على قرارهم بشأن الهجرة، فيما يعرف نحو ثلثهم شخصًا غادر إسرائيل خلال العامين السابقين، بحسب الأرقام التي أوردها التقرير.
ورأت أوبنهايم أن كثيرين ينتظرون معرفة ما ستسفر عنه التطورات السياسية، مشيرة إلى احتمال حدوث موجة هجرة كبيرة إذا تعمقت الأزمات الداخلية.
وفي المقابل، لا تقتصر الانقسامات على المواجهة بين اليمين واليسار أو بين المتدينين والعلمانيين، إذ يشير التقرير إلى وجود خلافات داخل اليمين نفسه بشأن تجنيد الحريديم، وحدود التوسع الاستيطاني، وطبيعة العلاقة مع المجتمع الدولي.
وتكشف هذه التباينات عن مشهد سياسي معقد، تتداخل فيه الاعتبارات الدينية والأمنية والاقتصادية مع الصراع على السلطة ومستقبل السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
يعكس تقرير «ديلي تلغراف» صورة مجتمع إسرائيلي يواجه مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من الخلاف بشأن التجنيد الإجباري ولا تنتهي عند التوسع الاستيطاني والاستقطاب السياسي والضغوط الاقتصادية. وتزداد أهمية هذه الملفات مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، الذي قد يحدد اتجاه السياسات الحكومية المقبلة، لكنه لا يضمن وحده معالجة الانقسامات المتراكمة.
وتبقى المخاوف المنسوبة إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بحاجة إلى تأكيد مستقل، خصوصًا أن التقرير المزعوم لم تؤكده الحكومة الأمريكية. لذلك، ينبغي التمييز بين ما أورده الكاتب بشأن التقييم الاستخباراتي وبين الوقائع والحوادث التي استند إليها في تحليل التوترات داخل إسرائيل.
وفي المحصلة، فإن مستقبل الاستقرار الداخلي الإسرائيلي يرتبط بمدى قدرة المؤسسات السياسية على التعامل مع الخلافات المتعلقة بالخدمة العسكرية، وعنف المستوطنين، والسياسات تجاه الفلسطينيين، والتباين بين التيارات الدينية والعلمانية. أما الحديث عن التفكك أو الحرب الأهلية، فيظل سيناريو تحذيريًا يتطلب تقييمه متابعة التطورات الفعلية، وليس التعامل معه بوصفه نتيجة حتمية للانتخابات.