لم تكن قضية شاحنة ضهر البيدر مجرّد ملف أمني وقضائي عابر في جلسة مجلس الوزراء، بل تحوّلت إلى اختبار سياسي دقيق لقدرة السلطة على إدارة الخلافات الداخلية في مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع الحسابات السياسية والأمنية، وسط تصاعد الضغوط الخارجية والتهديدات الإسرائيلية. وفي قراءتها للمشهد، تبرز صحيفة «الأخبار» الدور الذي أدّته الاتصالات السياسية، ولا سيما المساعي التي قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري، في احتواء مواجهة كانت تهدّد بتوسيع الانقسام داخل الحكومة.
جلسة مجلس الوزراء الاتصالات في قصر بعبدا برئاسة الرئيس عون
وبحسب ما أوردته الصحيفة، أفضت الاتصالات التي سبقت جلسة مجلس الوزراء في بعبدا، واستمرّت خلال الساعات الأخيرة قبل انعقادها، إلى تفاهم يقضي بتأجيل إحالة قضية الشاحنة إلى المجلس العدلي، بانتظار استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات. وقد جنّب هذا المخرج الحكومة مواجهة مباشرة حول البند السابع من جدول الأعمال، لكنه لم ينهِ الخلاف بشأن القضية، بل أبقى التسوية ضمن حدود احتواء التصعيد وتأجيل الحسم.
بري في قلب الاتصالات... وعون يفتح باب التسوية
تضع «الأخبار» تحرّك نبيه بري في صلب الجهود الرامية إلى سحب فتيل الأزمة، إذ كثّف اتصالاته مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وحزب الله، سعياً إلى منع انتقال الخلاف من مستوى المواقف السياسية إلى مواجهة داخل مجلس الوزراء.
وتشير الصحيفة إلى أن موقف رئيس الجمهورية ساهم في إبقاء باب التهدئة مفتوحاً، بعدما نُقلت رسائل تفيد بأن الإحالة إلى المجلس العدلي لن تتم في تلك المرحلة. كما أسهمت الاتصالات مع رئيس حزب الكتائب سامي الجميل، الذي زار بعبدا قبل الجلسة، في توسيع هامش التفاهم وإبعاد المواجهة عن طاولة الحكومة.
وتكشف هذه المعطيات، وفق القراءة التي تقدمها الصحيفة، أن التسوية لم تكن نتيجة توافق كامل على خلفيات القضية أو على مرجعيتها القضائية، بل حصيلة تفاهمات هدفها الأساسي منع تفاقم الأزمة وحماية الحد الأدنى من التماسك الحكومي.
حزب الله يختار التهدئة... من دون التراجع عن اعتراضاته
في المقابل، تبرز الصحيفة مقاربة حزب الله للقضية، مشيرة إلى أن الحزب عارض إحالة الملف إلى المجلس العدلي، معتبراً أن الخطوة تفتقر إلى أساس قانوني، ومحذّراً من تداعيات تحويل القضية إلى مواجهة داخلية في ظل الخلاف القائم حول السلاح وعلاقة المقاومة بالدولة.
لكن اللافت، بحسب «الأخبار»، أن الحزب تجنّب التصعيد الإعلامي المباشر في اتجاه رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، مفضّلاً انتظار نتائج الاتصالات وما ستؤول إليه المناقشات الحكومية. وقد عكس هذا السلوك توجهاً نحو إبقاء مساحة للتفاهم، ولا سيما في ظل انقطاع التواصل السياسي بين الحزب ورئيس الجمهورية، وفق ما أوردته الصحيفة.
شاحنة المتفجرات المضبوطة..
ومن هنا، لا تبدو التهدئة التي اعتمدها الحزب تراجعاً عن موقفه من الإحالة، بقدر ما تمثّل خياراً لإدارة الأزمة ومنع انتقالها إلى مواجهة أوسع. فالمشكلة، وفق القراءة التي تنقلها الصحيفة، تتجاوز الشاحنة نفسها إلى المخاوف من استثمار القضية في الصراع السياسي الداخلي حول السلاح ودور المقاومة ومستقبل العلاقة مع مؤسسات الدولة.
انسحاب القوات اللبنانية يكشف حدود التفاهم الحكومي
على الضفة الأخرى، أظهر انسحاب وزراء «القوات اللبنانية» من الجلسة استمرار الانقسام حول طلب إحالة القضية إلى المجلس العدلي. وبينما ساهم موقف حزب الكتائب في توفير مناخ ملائم للتفاهم، بقي انسحاب وزراء «القوات» مؤشراً واضحاً إلى أن المخرج الذي جرى التوصل إليه لم يحظَ بقبول جميع الأطراف.
وتلفت الصحيفة إلى أن رئيس الحكومة نواف سلام أبدى انزعاجه من خطوة الانسحاب، واصفاً إياها بأنها من «الخطوات الشعبوية التي تعوّدنا عليها». ويعكس هذا الموقف، بحسب سياق التقرير، خلافاً حول طريقة إدارة الملفات الخلافية داخل الحكومة، بين من يدفع باتجاه الحسم القضائي الفوري ومن يرى ضرورة استكمال التحقيقات وتفادي تحويل القضية إلى مواجهة سياسية.
أما عدم انسحاب وزير العدل عادل نصار، فقد أبقى النقاش ضمن الأطر الحكومية، رغم التباين في المواقف بشأن الإحالة. وبذلك، لم يؤدِّ الخلاف إلى انهيار الجلسة، لكنه كشف هشاشة التوافق بين مكوّنات الحكومة عندما تتداخل الاعتبارات القضائية مع الانقسامات السياسية.
سلام يتمسّك بمرجعية الدولة والقانون
على الرغم من تأجيل الإحالة، حرص نواف سلام على تثبيت موقفه من مسألة تخزين السلاح ونقله خارج الجهات المخوّلة قانوناً، معتبراً أن ذلك يشكّل مخالفة للقوانين والقرارات النافذة، ويهدّد السلامة العامة وأمن المواطنين، ويستوجب المتابعة الأمنية والملاحقة القضائية.
وتبرز هنا نقطة أساسية في مسار الأزمة: فالتفاهم الذي أُنجز لم يلغِ المواقف المعلنة بشأن السلاح، كما لم يحسم الجدل حول المسؤوليات القانونية المرتبطة بالشاحنة. بل جرى عملياً الفصل بين الموقف السياسي من القضية وبين قرار إحالتها إلى المجلس العدلي، بما سمح بتأجيل المواجهة من دون تسوية الخلافات الجوهرية.
وفي افتتاح الجلسة، شدّد جوزيف عون على أهمية الأجهزة الأمنية ودورها في مكافحة الإرهاب والمخدرات وتهريب الأسلحة والجرائم، واصفاً إياها بأنها العمود الفقري للدولة. كما نوّه بموقف نبيه بري الداعي إلى الحفاظ على السلم الأهلي والانفتاح على الحوار والتفاهم، في إشارات تعكس أولوية الاستقرار الداخلي في إدارة المرحلة.
في المحصلة، نجحت الاتصالات السياسية في منع تحوّل قضية شاحنة ضهر البيدر إلى مواجهة مفتوحة داخل مجلس الوزراء. غير أن هذا النجاح يبقى محدوداً، لأن التسوية تناولت توقيت الإحالة ومسارها، ولم تقدّم حلاً نهائياً للخلاف حول السلاح وصلاحيات الدولة والمرجعية القضائية.
وتكشف قراءة «الأخبار» أن ما جرى في بعبدا كان أقرب إلى احتواء مؤقت للأزمة منه إلى تسوية سياسية شاملة. فانسحاب وزراء «القوات اللبنانية» من جهة، وتمسّك حزب الله باعتراضه على الإحالة من جهة أخرى، يؤكدان أن الانقسام لا يزال قائماً، وأن التفاهم الذي أتاح تجاوز الجلسة لم يبدّد أسباب التوتر.
وتزداد أهمية هذا المشهد في ظل الضغوط الخارجية والتهديدات الإسرائيلية وتعثر المسار التفاوضي، وهي عوامل تجعل أي خلاف داخلي قابلاً لاكتساب أبعاد تتجاوز حدوده المباشرة. وبين ضرورات تطبيق القانون والحفاظ على الاستقرار ومنع التصادم الداخلي، تجد الحكومة نفسها أمام اختبار متواصل لقدرتها على إدارة الملفات الحساسة من دون أن تتحوّل إلى ساحات مواجهة بين مكوّناتها.
وعليه، فإن السؤال الذي تطرحه الأزمة لا يقتصر على مصير الإحالة إلى المجلس العدلي، بل يمتد إلى قدرة السلطة على بناء تفاهمات قابلة للاستمرار، تضمن متابعة التحقيقات وتحديد المسؤوليات ضمن الأطر القانونية، وتحول دون استغلال الخلافات لتوسيع الانقسام الداخلي. فالتأجيل أوقف التصعيد في هذه المرحلة، لكنه لم يُقفل الملف، الذي يبقى مفتوحاً على احتمالات ترتبط بما ستكشفه التحقيقات وبكيفية تعامل الدولة مع الضغوط السياسية والأمنية المحيطة به.
ضبط شاحنة المتفجرات في ضهر البيدر
بعد التصعيد السياسي والإعلامي الذي رافق قضية شاحنة ضهر البيدر، نجحت الاتصالات السياسية التي قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري في احتواء المواجهة التي كانت تتهدّد جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت بعد ظهر أمس في بعبدا، على خلفية البند السابع من جدول الأعمال، المتعلّق بطلب إحالة القضية إلى المجلس العدلي. وبعد نحو أربع ساعات من المداولات، خرجت الحكومة بتفاهم قضى بتأجيل الإحالة، في انتظار استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات، من دون أن تنجح في إخفاء الانقسام السياسي الذي ظهر مع انسحاب وزراء «القوات اللبنانية» من الجلسة. المخرج الذي جرى التوصل إليه لم يكن قراراً بحسم الخلاف حول القضية، بل اتفاقاً ضمنياً على فصل المسار السياسي عن المسار القضائي، وتجنّب التصويت على الإحالة في هذه المرحلة. وبحسب معلومات «الأخبار»، انضم حزب الكتائب إلى المناخ الذي أتاح تمرير التفاهم، بعدما لبّى رئيسه سامي الجميل دعوة رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى بعبدا قبل الجلسة، في إطار اتصالات هدفت إلى منع انتقال الخلاف إلى صدام داخل الحكومة. وفي المقابل، بقي انسحاب وزراء «القوات» التعبير الأبرز عن اعتراض الفريق المطالب بإحالة الملف إلى المجلس العدلي. وكانت الساعات التي سبقت الجلسة قد شهدت تصعيداً سياسياً وإعلامياً، على وقع تحذيرات حزب الله من المضي في الإحالة، التي اعتبرها غير مستندة إلى أساس قانوني، محذّراً من أن تحويل القضية إلى مواجهة داخلية قد يضع المقاومة في مسار تصادمي يراه الحزب مكمّلاً للعدوان الإسرائيلي على لبنان. ولم يكن اعتراضه محصوراً في المرجعية القضائية، بل ارتبط أيضاً بقراءته للمسار السياسي الذي يمكن أن تفتحه القضية، في ظل الخلاف القائم حول السلاح والعلاقة مع الدولة، معتبراً أن «هذا قرار بإعدامه وتوريطه في صدام داخلي يتسبب له بمقتل».
ورغم ارتفاع سقف المواقف، التزم حزب الله تهدئة إعلامية لافتة، متجنّباً التصعيد العلني المباشر في وجه عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وبحسب المعلومات، أرسل الحزب عبر الوسطاء رسالة مفادها أن «تجنّب الإحالة يمكن أن يشكّل خطوة يُبنى عليها، خصوصاً في ظل انقطاع التواصل السياسي بينه وبين رئيس الجمهورية». وتعامل الحزب مع الملف بحذر وتنسيق مع المعنيين، منتظراً ما ستؤول إليه الاتصالات وما سيُطرح داخل الجلسة، بدلاً من استباق النتيجة بتصعيد قد يضيّق هامش التسوية.
في موازاة ذلك، كثّف بري اتصالاته مع عون وسلام، إلى جانب تواصله مع حزب الله، سعياً إلى سحب فتيل الأزمة قبل انعقاد الجلسة، واستمرت هذه الاتصالات حتى الساعات الأخيرة قبل انعقاد الجلسة. وتزامنت هذه المساعي مع خلوة بين عون وسلام، فيما أشارت المعطيات إلى أن رئيس الجمهورية التقط جو التهدئة وبعث، قبل الجلسة، برسائل مفادها أن الملف لن يُحال إلى المجلس العدلي. وقد أسهمت هذه الإشارات في إبقاء باب التهدئة مفتوحاً، بعدما كان الحزب قد حذّر من أن تمرير البند قد يدفع الأمور نحو مواجهة يصعب ضبطها.
عون طمأن بري
عون طمأن بري ثم أقنع الجميل بالمخرج، وسلام انزعج من «القوات» بعد سحب وزرائها واتهمها بـ«الشعبوية»
ولم تقتصر الاتصالات على بري والثنائي الشيعي والرئيسين عون وسلام، بل شملت حزب الكتائب أيضاً، في مسعى إلى توسيع قاعدة التفاهم على المخرج الحكومي. وانعكس ذلك داخل الجلسة، حيث لم ينسحب وزير العدل عادل نصار، رغم الخلاف حول طلب الإحالة، بما أبقى النقاش ضمن الأطر الحكومية ولم يحوّله إلى مواجهة شاملة. وفي المقابل، عندما اتجه وزراء «القوات» إلى الانسحاب، وصف سلام هذه الخطوة بأنها من «الخطوات الشعبوية التي تعوّدنا عليها»، في موقف عكس اعتراضه على تغليب الحسابات الضيقة ولو أدت إلى زعزعة استقرار الحكومة. أما في المضمون، فقد حرص سلام على تثبيت موقفه من مسألة السلاح والمتفجّرات، من دون حصر النقاش بالشحنة المصادرة وحدها. وقال إن «تخزين السلاح أو نقله من خارج الجهات التي لها حصراً شرعية القيام بذلك، تحت أي ذريعة كانت»، يشكّل خروجاً على الثوابت والقوانين النافذة وقرارات مجلس الوزراء، فضلاً عن كونه خطراً على السلامة العامة وأمن المواطنين، ويستوجب المتابعة الأمنية والملاحقة القضائية وإنزال العقوبات التي يفرضها القانون. لكن هذه المطالعة، على حدّتها، لم تتحوّل إلى قرار بإحالة القضية، إذ اتجه النقاش عند طرح وزير العدل الطلب إلى ضرورة الفصل بين المسارات، بما أتاح تأجيل الحسم من دون التراجع عن المواقف المعلنة. وكان عون قد استهلّ الجلسة بالإشادة بجهود وزير الصحة ركان ناصر الدين في مكافحة الأدوية الفاسدة والمهرّبة، مهنّئاً إياه بانتخابه رئيساً للدورة الثالثة والسبعين لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، ومعتبراً أن الإنجاز يتجاوز الوزير إلى لبنان. كما نوّه بعمل الأجهزة الأمنية في مكافحة الإرهاب والمخدرات وتهريب الأسلحة والجرائم، مؤكداً أنها «العمود الفقري للدولة» وركيزتها الأساسية، ومشدداً على ضرورة الوقوف إلى جانبها رغم الضغوط الاقتصادية. وتابع عون «نثمّن موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، خصوصاً لجهة اعتبار الجيش اللبناني بمثابة خط أحمر، والحفاظ على السلم الأهلي، والانفتاح على الحوار والتفاهم، لكونه الوسيلة الأفضل لحماية لبنان وإنقاذه». في المحصّلة، لم تنتهِ الجلسة إلى تسوية سياسية شاملة، لكنها جنّبت الحكومة مواجهة مباشرة كان يمكن أن تتجاوز قاعة مجلس الوزراء. فقد أتاح تأجيل الإحالة احتواء الاعتراض الذي عبّر عنه حزب الله، فيما بقي انسحاب وزراء «القوات» مؤشراً إلى أن الفريق المطالب بإحالة الملف لم يعتبر المخرج كافياً. وبذلك، لم يُحسم الخلاف، بل جرى ترحيله إلى مرحلة لاحقة، تحت عنوان استكمال التحقيقات وانتظار اتضاح المسؤوليات. وتبقى أهمية ما جرى في أن الاتصالات السياسية نجحت هذه المرة في ترجمة التهدئة إلى مخرج عملي، بعدما كانت التحذيرات المتبادلة تنذر بتوسيع المواجهة. إلا أن هذا التفاهم يظل محدوداً بموضوع الإحالة وتوقيتها، ولا يبدّد الخلاف الأعمق حول السلاح وقرارات الدولة، ولا الضغوط الخارجية والتهديدات الإسرائيلية وتعثر المسار التفاوضي. فالقضية التي خرجت من الجلسة بلا تصويت لا تزال مفتوحة، بانتظار تعامل السلطة مع هذا الملف خصوصاً في ظل الضغط الخارجي عليها.