Skip to content

نافذة على الصحافة العبرية الصادرة صباح الخميس

BNC1
· 18 دقائق قراءة

تتناول هذه النافذة أربعة من أبرز المنابر الصحفية والإعلامية الإسرائيلية، من خلال اختيار المقالات الأكثر أهمية في ضوء التطورات السياسية والأمنية، وتفكيك مضامينها وخلفياتها، وقراءة الرسائل التي تحملها بين السطور، مع التركيز على تداعيات الانتخابات الأميركية، ومستقبل حكومة بنيامين نتنياهو، والعلاقات الإسرائيلية الأميركية، وموازين القوة داخل إسرائيل.


صحيفة هآرتس: كتب أرنو روزنفيلد تحت عنوان:



الديمقراطيون يكتسحون انتخابات منتصف الولاية، ويمهدون الطريق لتحول في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية


يضع أرنو روزنفيلد نتائج الانتخابات الأميركية في قلب النقاش حول مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، لكنه لا يتعامل مع الانتصار الديمقراطي باعتباره مجرد هزيمة انتخابية للرئيس دونالد ترامب، بل باعتباره مؤشراً إلى تحول أعمق داخل البيئة السياسية الأميركية، قد تكون إسرائيل إحدى أكثر الدول تأثراً به.

يقول الكاتب، وفقاً للمضمون الذي يقدمه مقاله، إن الديمقراطيين لم يحققوا مكاسبهم في الدوائر المتأرجحة وحدها، بل تمكن المرشحون المنتقدون للسياسات الإسرائيلية من تحقيق انتصارات في دوائر كانت تعتبر أكثر أمناً للحزب. وهذه النقطة تحمل أهمية تتجاوز الحسابات الانتخابية، لأنها تشير إلى أن المواقف المنتقدة لإسرائيل لم تعد محصورة في التيار التقدمي أو في بعض الدوائر الانتخابية ذات الخصوصية السياسية، بل باتت تجد مساحة أوسع داخل الحزب الديمقراطي.

ويشير الكاتب إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه القيادة الديمقراطية المقبلة يتمثل في قدرتها على التعامل مع قاعدة انتخابية أصبحت أكثر استعداداً لمساءلة الدعم الأميركي لإسرائيل. وهنا تبرز أسماء قيادية مثل حكيم جيفريز وتشاك شومر، اللذين سيجدان نفسيهما أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على العلاقة التقليدية مع إسرائيل من جهة، والاستجابة للتحولات داخل الحزب والناخبين من جهة أخرى.

ولعل ما رمى إليه روزنفيلد هو أن التحول الجاري لا يتعلق فقط بمواقف عدد من النواب أو أعضاء مجلس الشيوخ، بل بتغير تدريجي في الحدود السياسية لما يمكن قوله والمطالبة به داخل المؤسسات الأميركية. ففي السابق، كان انتقاد السياسات الإسرائيلية، خصوصاً في ما يتعلق بالمساعدات العسكرية، يواجه ضغوطاً حزبية وانتخابية كبيرة. أما اليوم، فإن طرح مراجعة هذه المساعدات أصبح جزءاً من نقاش سياسي أوسع، ولم يعد بالضرورة سبباً كافياً لعزل صاحبه انتخابياً.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: انتقاد الحكومة الإسرائيلية، وانتقاد إسرائيل باعتبارها حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة. فالانتقال من الأول إلى الثاني ليس أمراً تلقائياً، لكن اتساع مساحة التشكيك في الدعم العسكري والسياسي يفتح الباب أمام تراجع الإجماع الذي استفادت منه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لعقود.

وتكمن خطورة هذا التحول بالنسبة إلى تل أبيب في أن العلاقة مع الولايات المتحدة لم تكن مجرد علاقة دبلوماسية بين دولتين، بل شكلت أحد أعمدة العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فالغطاء السياسي الأميركي داخل المؤسسات الدولية، والتفوق النوعي في التسليح، والتعاون الاستخباراتي، والمساعدات العسكرية، كلها عناصر مترابطة تمنح إسرائيل هامشاً واسعاً في إدارة صراعاتها الإقليمية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي تحول في الكونغرس يمكن أن ينعكس على أكثر من ملف، حتى إن لم يؤدِ فوراً إلى قطع المساعدات أو فرض حظر شامل على الأسلحة. فالرقابة البرلمانية، والاستجوابات، والضغط على الإدارة، وتأخير الموافقات المتعلقة بصفقات التسليح، كلها أدوات تستطيع أن تفرض قيوداً تدريجية على حرية الحركة الإسرائيلية.

واللافت أن روزنفيلد يضع جيفريز وشومر أمام اختبار قيادة، وليس أمام مجرد اختبار انتخابي. فالقضية ليست في معرفة ما إذا كان الديمقراطيون سينتقدون نتنياهو، بل في معرفة ما إذا كانوا سيترجمون مواقف قواعدهم الانتخابية إلى سياسات عملية. وهذا الفارق أساسي، لأن الانتقادات السياسية يمكن أن تبقى في إطار الخطاب، بينما تتحول القرارات التشريعية والمالية إلى ضغوط فعلية على المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

وفي المقابل، لا ينبغي تجاهل أن الرئيس الأميركي يحتفظ بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية، وأن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لا تعني بالضرورة أن الإدارة الأميركية ستتخلى عن إسرائيل. لكنها تعني أن ترامب سيواجه بيئة سياسية أكثر تعقيداً، وأن قدرة الحكومة الإسرائيلية على الاعتماد على الدعم الأميركي غير المشروط قد تصبح أقل ضماناً.

ومن زاوية إسرائيلية داخلية، يمكن قراءة المقال بوصفه رسالة إلى الطبقة السياسية الإسرائيلية التي راهنت خلال السنوات الماضية على الحزب الجمهوري، وعلى العلاقة الشخصية بين نتنياهو وترامب، باعتبارهما ضمانة لاستمرار الدعم الأميركي. فهذه الاستراتيجية قد تكون حققت مكاسب قصيرة الأجل، لكنها ساهمت في تعميق الانقسام الحزبي الأميركي حول إسرائيل.

ولعل السؤال الأهم الذي يطرحه المقال بين السطور هو: ماذا لو لم يعد تغيير الإدارة الأميركية كافياً لإعادة العلاقات إلى ما كانت عليه؟ ماذا لو أصبح التحول داخل المجتمع الأميركي نفسه، وخصوصاً لدى الأجيال الجديدة من الناخبين، عاملاً طويل الأمد لا يمكن تجاوزه بتغيير رئيس أو حكومة؟

هذا السؤال يضع إسرائيل أمام مشكلة استراتيجية، لأن بناء العلاقات مع واشنطن لا يمكن أن يستمر بالاعتماد على رئيس أميركي واحد أو حزب واحد. فالدولة التي تريد ضمان استمرار الدعم تحتاج إلى قاعدة سياسية واسعة داخل المؤسسات الأميركية، وإلى مستوى من الثقة لدى الرأي العام لا يتأثر بسهولة بالتغيرات الانتخابية.

كما أن توقيت هذه التطورات يزيد حساسيتها، إذ تتزامن الانتخابات الأميركية مع أزمة تشكيل الحكومة الإسرائيلية، ومع تصاعد الجدل حول السياسات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة. وهذا يعني أن الحكومة المقبلة قد تجد نفسها أمام تحديين متوازيين: إعادة ترتيب البيت الداخلي، والتعامل مع بيئة أميركية أقل استعداداً لمنحها تفويضاً مفتوحاً.

لا يتحدث روزنفيلد عن أزمة عابرة بين حكومة إسرائيلية وإدارة أميركية، بل عن احتمال تغير القاعدة السياسية التي قامت عليها العلاقة بين البلدين. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تضطر إسرائيل إلى إعادة صياغة حساباتها الأمنية والدبلوماسية، وإلى التعامل مع واشنطن باعتبارها شريكاً يمتلك مصالح وشروطاً متغيرة، لا مجرد مظلة ثابتة يمكن الاعتماد عليها مهما كانت السياسات الإسرائيلية.


يديعوت أحرونوت: كتب غادي عزرا تحت عنوان:



إسرائيل ليست على ورقة الاقتراع الأمريكية، لكن مستقبلها هناك


يقدم غادي عزرا قراءة سياسية تتجاوز نتائج الانتخابات الأميركية المباشرة، ليضع إسرائيل أمام حقيقة استراتيجية غير مريحة: القرارات التي تحدد مستقبلها الأمني والسياسي لم تعد محصورة داخل مؤسساتها، بل أصبحت مرتبطة بدرجة متزايدة بالتحولات الانتخابية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة.

يبدأ الكاتب من فكرة أساسية مفادها أن الانتخابات الأميركية ليست شأناً داخلياً بالنسبة إلى إسرائيل، حتى وإن لم يكن اسمها موجوداً على ورقة الاقتراع. فالمواطن الأميركي الذي يصوت في ولاية بعيدة عن الشرق الأوسط قد يكون له تأثير في طبيعة المساعدات العسكرية التي تحصل عليها إسرائيل، وفي مستوى الحماية السياسية التي توفرها واشنطن لها، وفي طبيعة تعامل الإدارة الأميركية مع ملفات إيران وغزة والتطبيع الإقليمي.

ويشير الكاتب إلى تراجع النظرة الإيجابية إلى إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي، مستنداً إلى أرقام استطلاعات الرأي التي يعرضها المقال، والتي تظهر انخفاض نسبة الديمقراطيين الذين يحملون نظرة إيجابية تجاه الإسرائيليين من 57 في المئة إلى 43 في المئة خلال سبع سنوات، مقابل ارتفاع التعاطف مع الفلسطينيين من 58 إلى 67 في المئة، وصولاً إلى 72 في المئة بين الديمقراطيين الشباب.

وهذه الأرقام، إذا قرئت في سياقها السياسي، تكشف عن مشكلة تتجاوز الخلاف حول حكومة بنيامين نتنياهو. فالتغير في اتجاهات الرأي العام الأميركي قد يتحول إلى عامل ضغط طويل الأمد على أي حكومة إسرائيلية، بصرف النظر عن هويتها السياسية أو الحزبية.

ولعل ما رمى إليه عزرا هو التحذير من خطأ استراتيجي ارتكبته إسرائيل عندما تعاملت مع الدعم الأميركي باعتباره مضموناً، وعندما سمحت بتحويل العلاقة مع واشنطن إلى قضية مرتبطة بالحسابات الحزبية الداخلية، بدلاً من المحافظة عليها باعتبارها مصلحة أميركية مشتركة تتجاوز التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين.

ويشير الكاتب إلى ثلاثة مستويات من التداعيات: المستوى الأول قصير الأجل، ويتعلق بمستقبل الدعم العسكري وإمكانية أن تصبح صفقات الأسلحة الإسرائيلية عرضة لمعارضة أكبر داخل الكونغرس. والمستوى الثاني متوسط الأجل، ويتصل بطبيعة تحرك ترامب خلال العامين الأخيرين من ولايته. أما المستوى الثالث فهو طويل الأجل، ويتعلق بمستقبل العلاقة الأميركية الإسرائيلية بعد انتهاء الترتيبات الحالية للمساعدات العسكرية.

وفي المستوى الأول، يلفت عزرا إلى أن عدد أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الذين أيدوا في نيسان وقف مبيعات الأسلحة لإسرائيل بلغ أربعين من أصل سبعة وأربعين، مقارنة بسبعة وعشرين في العام السابق. وهذه الأرقام تعكس، وفق القراءة التي يقدمها، اتساع دائرة الاستعداد لمساءلة الدعم العسكري، حتى لو لم تنجح تلك المحاولات في إحداث تغيير فوري بسبب موازين القوى داخل الكونغرس.

وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل في المقال: إن فشل مشروع قانون أو قرار بوقف مبيعات الأسلحة لا يعني أن الاتجاه السياسي الذي أنتجه قد انتهى. فالتصويت نفسه يكشف عن حجم التحول داخل الحزب، ويمكن أن يتحول مع مرور الوقت إلى قاعدة تشريعية أوسع إذا تغيرت موازين القوى.

أما في المستوى الثاني، فيقدم الكاتب قراءة مهمة لسلوك الرؤساء الأميركيين الذين تعرضوا لهزائم انتخابية في انتخابات منتصف الولاية. ويشير إلى أن بعض الرؤساء الذين فقدوا السيطرة على الكونغرس اتجهوا إلى السياسة الخارجية بحثاً عن إنجازات تاريخية تعوض تراجع نفوذهم الداخلي.

ويستحضر المقال تجارب جورج بوش وباراك أوباما وترامب نفسه، ليطرح احتمال أن يسعى الرئيس الأميركي إلى تحقيق اختراقات دبلوماسية في الشرق الأوسط خلال الفترة المتبقية من ولايته.

ولعل ما رمى إليه عزرا هنا هو التحذير من أن إسرائيل قد تتعرض لضغوط ليس فقط من الكونغرس الديمقراطي، بل أيضاً من إدارة جمهورية تريد تحقيق إنجازات سريعة في السياسة الخارجية. فترامب، إذا أصبح أكثر ضعفاً داخلياً، قد يجد في التوصل إلى اتفاق مع إيران أو دفع مسار التطبيع السعودي الإسرائيلي أو ترتيب مستقبل غزة فرصاً لإعادة تثبيت صورته السياسية.

وهذه النقطة تحمل أهمية خاصة، لأن حسابات واشنطن قد لا تتطابق مع حسابات الحكومة الإسرائيلية. فبينما قد ترى تل أبيب أن استمرار الضغط العسكري على إيران ضرورة أمنية، قد ترى الإدارة الأميركية أن التوصل إلى اتفاق سياسي يحقق مصالحها ويمنح الرئيس إنجازاً انتخابياً وتاريخياً.

وبذلك يمكن أن يتحول الرئيس الذي تعتبره إسرائيل حليفاً استراتيجياً إلى مصدر ضغط عليها، ليس بسبب تغير موقفه من أمنها بالضرورة، بل بسبب اختلاف الأولويات السياسية في المرحلة المقبلة.

وفي المستوى الثالث، يضع عزرا عام 2028 بوصفه محطة مفصلية، إذ يتزامن ذلك مع انتهاء الاتفاق الحالي للمساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل. وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد تجديد اتفاق مالي، لأنه يتعلق بالشكل الذي ستأخذه العلاقة الأمنية بين البلدين، وبمدى استعداد واشنطن للإبقاء على مستوى الدعم نفسه في ظل التغيرات السياسية.

ويشير الكاتب إلى أن المطلوب إسرائيلياً ليس فقط استعادة العلاقة مع الديمقراطيين، بل أيضاً وقف تراجع التأييد داخل الحزب الجمهوري. وهذه الإشارة مهمة لأنها تكشف أن المشكلة لم تعد محصورة في معسكر سياسي أميركي واحد، وأن الاعتماد على الجمهوريين وحدهم لم يعد استراتيجية مضمونة.

ومن الناحية السياسية، يمكن قراءة المقال باعتباره نقداً ضمنياً لسياسة نتنياهو الخارجية، التي جعلت العلاقة مع الجمهوريين وترامب في صدارة حساباتها، وأضعفت في المقابل الجسور التقليدية مع الديمقراطيين. فإسرائيل التي كانت تتمتع بدعم واسع من الحزبين تجد نفسها اليوم أمام انقسام يجعل كل انتخابات أميركية اختباراً جديداً لمستقبل مصالحها.

لكن الكاتب لا يذهب إلى حد القول إن التحول الأميركي سيؤدي حتماً إلى قطيعة أو وقف شامل للمساعدات. بل إن ما يطرحه أكثر تعقيداً: تراجع تدريجي في مستوى الإجماع، وتزايد في الرقابة والاعتراض، وارتفاع في كلفة الحفاظ على الدعم السياسي والعسكري.

يحذر عزرا من أن إسرائيل قد تدخل مرحلة يصبح فيها مستقبلها الاستراتيجي مرتبطاً بإعادة بناء التوافق الأميركي حولها، لا بمجرد المحافظة على علاقات جيدة مع البيت الأبيض. فالمشكلة الحقيقية ليست خسارة معركة انتخابية في واشنطن، بل خسارة جيل جديد من الناخبين الأميركيين الذين سيحددون شكل العلاقة في السنوات المقبلة.


صحيفة معاريف: كتب نحوم بيري تحت عنوان:


بلا أهواء شخصية: الصيغة التي ستأتي بحكومة وحدة من 73 مقعداً وتنهي الحرب



يطرح نحوم بيري في مقاله تصوراً سياسياً لتجاوز المأزق الذي أفرزته الانتخابات الإسرائيلية، من خلال الدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تستند إلى ما يسميه التخلي عن الأنا السياسية، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية والشخصية. لكن قراءة المقال بعمق تكشف أن الدعوة إلى الوحدة ليست مجرد نداء أخلاقي لإنهاء الانقسام، بل محاولة لإعادة ترتيب الخريطة السياسية الإسرائيلية في مرحلة تتداخل فيها أزمة تشكيل الحكومة مع استمرار الحرب وتراجع الثقة بالقيادة السياسية.

يبدأ الكاتب باستحضار تجربة الأيام الأولى التي أعقبت هجوم السابع من تشرين الأول، عندما سادت داخل إسرائيل حالة استثنائية من التضامن والتكاتف، وتراجعت الخلافات الحزبية مؤقتاً أمام الشعور بالخطر الوجودي. ويشير إلى أن تلك الوحدة لم تصمد طويلاً، وأن المجتمع الإسرائيلي عاد إلى انقساماته السابقة، بل إن الحرب نفسها تحولت إلى ساحة إضافية للصراع الداخلي حول المسؤوليات والأهداف والقرارات السياسية.

ولعل ما رمى إليه الكاتب من هذه المقارنة هو الإشارة إلى الفجوة بين اللحظة التي توحد فيها المجتمع الإسرائيلي تحت ضغط الصدمة، والمرحلة التي عجزت فيها القيادة السياسية عن تحويل ذلك التضامن إلى مشروع سياسي وعسكري متماسك.

فالمقال لا يتعامل مع استمرار الحرب باعتباره مشكلة عسكرية فقط، بل يربطه بأزمة القيادة والقرار. ويقول الكاتب، في جوهر طرحه، إن إسرائيل حققت إنجازات عسكرية كبيرة، لكن هذه الإنجازات لم تتحول إلى حسم سياسي يضمن منع تجدد المواجهات. وهنا يبرز التناقض بين خطاب النصر الذي تروج له الحكومات الإسرائيلية، وبين استمرار الشعور بأن التهديدات لم تنتهِ وأن الجبهات المختلفة ما زالت قابلة للاشتعال.

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها؛ لأن الكاتب يضع مفهوم الانتصار أمام اختبار مختلف. فالانتصار العسكري، وفق القراءة التي يلمح إليها، لا يكتمل بتدمير البنية العسكرية للخصم أو إلحاق خسائر به، بل يحتاج إلى صيغة سياسية وأمنية تمنع إعادة إنتاج المواجهة. وبذلك تصبح الأزمة الإسرائيلية مرتبطة بالسؤال عن اليوم التالي للحرب، وليس فقط بنتائج العمليات العسكرية.

لكن الأهم في المقال هو انتقاله من تشخيص الانقسام إلى اقتراح صيغة سياسية محددة، تقوم على تشكيل حكومة وحدة تضم الليكود، وحزب ياشار بقيادة غادي آيزنكوت، وحزب معاً، وإسرائيل بيتنا، والصهيونية الدينية، في ائتلاف يقول الكاتب إن حجمه قد يصل إلى 73 مقعداً. كما يشير إلى إمكانية إضافة الديمقراطيين وعوتسما يهوديت، بما يرفع العدد إلى 88 مقعداً، لكنه يستبعد هذا الخيار باعتباره أقل واقعية.

ولعل ما رمى إليه بيري من طرح هذه الصيغة هو تجاوز الاستقطاب بين معسكر نتنياهو ومعسكر آيزنكوت، وإعادة بناء حكومة واسعة تستطيع اتخاذ قرارات لا تستطيع حكومة ضيقة أو هشة تحمل تبعاتها السياسية.

لكن هذا الاقتراح يطرح إشكالية جوهرية: هل حكومة الوحدة المقترحة قادرة فعلاً على تجاوز الخلافات التي أنتجتها الانتخابات، أم أنها ستعيد تجميع الأطراف المتصارعة داخل مجلس وزراء واحد، لتنتقل المعركة من الشارع والكنيست إلى داخل الحكومة؟

فالخلاف بين نتنياهو وآيزنكوت ليس خلافاً شخصياً بسيطاً يمكن تجاوزه بتنازل متبادل، بل يرتبط بمسؤولية القيادة عن الحرب، ومستقبل السياسة الأمنية، وقضايا التجنيد الإجباري، والعلاقة مع الأحزاب الدينية، وطبيعة الإصلاحات القضائية، وحدود الشراكة مع القوى العربية.

ويشير الكاتب إلى ضرورة تمرير قانون تجنيد فعال، وهذه الإشارة ليست تفصيلاً عابراً. فقضية تجنيد الحريديم تمثل أحد أكثر الملفات حساسية داخل إسرائيل، لأنها تمس التوازن بين الالتزامات العسكرية والامتيازات الدينية، وتضع المؤسسة العسكرية أمام مشكلة توزيع الأعباء البشرية في ظل استمرار الحرب.

ومن هنا، يمكن قراءة اقتراح حكومة الوحدة بوصفه محاولة لاستخدام اتساع الائتلاف لتجاوز الاعتراضات الحزبية على قانون التجنيد، ولإنتاج تسوية تستطيع الحكومة تقديمها باعتبارها ضرورة وطنية، وليس انتصاراً لفريق سياسي على آخر.

لكن الكاتب يتجاهل، أو يقلل من وزن، حقيقة أن الأحزاب الدينية قد لا تقبل بهذه الصيغة إذا شعرت بأنها ستفقد امتيازاتها، وأن الصهيونية الدينية قد تجد صعوبة في الدخول في حكومة تضم أطرافاً تختلف معها جذرياً بشأن إدارة الحرب والملف الفلسطيني.

كما أن وجود نتنياهو وآيزنكوت في إطار سياسي واحد يفتح سؤالاً حول من يتولى قيادة الحكومة، وكيف توزع الصلاحيات، وهل يقبل أي من الطرفين بأن يكون شريكاً في حكومة يقودها خصمه السياسي؟

وهنا تظهر حدود خطاب التخلي عن الأنا. فالكاتب يدعو القيادات إلى تقديم المصلحة العامة، لكنه لا يقدم ضمانات عملية بأن المصالح الشخصية والحزبية يمكن تجاوزها بمجرد إعلان النوايا. فالسياسة لا تُدار بالشعارات وحدها، بل بموازين القوى والاتفاقات المكتوبة والضمانات المتبادلة.

ومن زاوية أخرى، يحمل المقال رسالة إلى المجتمع الإسرائيلي بأن استمرار المأزق السياسي قد يكون أخطر من التنازل المتبادل بين الأحزاب، خصوصاً في ظل استمرار التحديات الأمنية في غزة ولبنان وإيران. وهو يحاول إقناع القارئ بأن الحكومة الواسعة قد تمنح إسرائيل قدرة أكبر على اتخاذ قرارات استراتيجية، وتخفف من احتمالات سقوط الحكومة عند كل خلاف سياسي أو عسكري.

لكن ثمة سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل حكومة الوحدة ستنهي الحرب فعلاً، أم أنها ستمنح القيادة السياسية غطاءً أوسع لمواصلة النهج العسكري نفسه؟ فالتوسع في قاعدة الحكومة لا يعني بالضرورة تغير العقيدة الأمنية أو مراجعة الأهداف العسكرية. وقد تتحول الوحدة إلى أداة لتثبيت السياسات القائمة بدلاً من تغييرها.

ولعل الرسالة الأعمق في المقال أن النخبة السياسية الإسرائيلية بدأت تبحث عن مخرج من مأزق لم تعد تستطيع إدارته بالآليات الحزبية التقليدية، وأن اتساع الائتلاف أصبح مطروحاً باعتباره ضرورة لحماية النظام السياسي من الشلل.

يكشف مقال معاريف عن اتجاه داخل النقاش الإسرائيلي يرى أن مرحلة ما بعد الانتخابات تحتاج إلى إعادة تركيب السلطة، وليس مجرد استبدال رئيس حكومة بآخر. لكنه يكشف أيضاً أن الدعوة إلى الوحدة قد تكون محاولة لتجاوز أزمة الشرعية والمسؤولية عن الحرب، من دون أن تعني بالضرورة تغييراً جذرياً في الخيارات الاستراتيجية الإسرائيلية.


صحيفة إسرائيل هيوم: كتب إلينور شيركاني كوفمان تحت عنوان:



التحقيق في التدخل الأجنبي بالانتخابات قد يكشف عن مبالغ مالية ضخمة


تتناول إلينور شيركاني كوفمان ملفاً بالغ الحساسية في الداخل الإسرائيلي، يتعلق بشبهات تدفق أموال من جهات أجنبية إلى إسرائيل بهدف التأثير في الحياة السياسية والانتخابات. ويأتي المقال في توقيت شديد التعقيد، بعد انتخابات لم تمنح أياً من المعسكرين القدرة الواضحة على تشكيل حكومة مستقرة، وفي ظل تصاعد المواجهة السياسية بين بنيامين نتنياهو وخصومه، خصوصاً مع بروز غادي آيزنكوت بوصفه منافساً أساسياً على قيادة المرحلة المقبلة.

يستند المقال إلى معلومات عرضها رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سوهلبيرغ، بشأن التحقيق الذي يجريه جهاز الأمن العام الإسرائيلي حول شبهات تدخل أجنبي في الانتخابات. ويشير إلى أن المعلومات الاستخباراتية المقدمة إلى الجهات المعنية تتحدث عن تحويلات مالية واسعة النطاق، مصدرها جهات أجنبية ذات مصالح خفية، وربما معادية، بهدف تعزيز نفوذها داخل إسرائيل.

لكن النقطة الأكثر أهمية في المادة ليست حجم الأموال وحده، بل طبيعة المعلومات التي جرى الكشف عنها والمرحلة التي وصل إليها التحقيق. فالمعطيات المعروضة تتحدث عن مؤشرات تستدعي استكمال العمل الاستخباراتي والتحقيقي، ولا تقدم في هذه المرحلة دليلاً قضائياً نهائياً على هوية جميع الجهات المتورطة أو طبيعة ارتباطها بالأطراف السياسية الإسرائيلية.

وهنا يجب التمييز بين الاشتباه الأمني والإثبات القانوني. فوجود معلومات عن تحويلات مالية لا يكفي وحده لإثبات أن جهة سياسية محددة تلقت تمويلاً غير مشروع، كما أن الاشتباه بتدخل خارجي لا يعني تلقائياً أن نتائج الانتخابات قد تعرضت للتلاعب أو أن إرادة الناخبين قد جرى تغييرها.

ويشير الكاتب، من خلال عرض المعلومات الرسمية، إلى أن حجم الظاهرة قد يتجاوز آلاف الأشخاص، وأن التحقيق يحتاج إلى خطوات إضافية لتحديد نطاقها وربط الجهات المختلفة ببعضها. وهذه الصياغة تكشف أن الملف لا يزال في مرحلة جمع المعلومات وبناء الصورة الاستخباراتية، وليس أمام نتيجة نهائية يمكن اعتمادها لإدانة طرف بعينه.

ولعل ما رمت إليه الكاتبة هو وضع القارئ أمام احتمال أن تكون الانتخابات الإسرائيلية قد شهدت نشاطاً مالياً خارجياً واسعاً، يتجاوز حدود التدخل الإعلامي أو الحملات الدعائية التقليدية. وهذا الاحتمال يفتح نقاشاً حول قدرة الأجهزة الإسرائيلية على حماية العملية الديمقراطية من التأثيرات الخارجية، وحول مدى هشاشة البيئة السياسية أمام المال والنفوذ وشبكات المصالح العابرة للحدود.

لكن اختيار توقيت نشر هذه المعلومات يحمل دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها. فإسرائيل تعيش مرحلة انتقالية حساسة، حيث لم يحسم الصراع على تشكيل الحكومة، ويحتاج كل معسكر إلى تعزيز شرعيته وتقديم روايته بشأن أسباب النتائج الانتخابية.

وفي مثل هذه الظروف، يمكن لملف التدخل الخارجي أن يتحول إلى قضية تتجاوز الجانب الأمني، وأن يصبح جزءاً من الصراع على تفسير نتائج الانتخابات. فبدلاً من التركيز حصراً على البرامج السياسية وأداء الأحزاب وخيارات الناخبين، قد تنتقل النقاشات إلى البحث عن أطراف خارجية يُشتبه بأنها حاولت التأثير في اتجاهات التصويت.

وهذا لا يعني أن التحقيق غير ضروري أو أن المعلومات الأمنية يجب تجاهلها. بل إن حماية الانتخابات من التمويل الخارجي غير المشروع والتدخلات السرية تمثل مصلحة أساسية لأي نظام سياسي. لكن الخطورة تكمن في استخدام الشبهات قبل اكتمال التحقيق لتوجيه اتهامات سياسية أو التشكيك في شرعية نتائج انتخابية لم يثبت أن التدخلات المزعومة غيرتها.

ومن هنا تبرز أهمية موقف رئيس لجنة الانتخابات المركزية، الذي عرض المعلومات بصيغة تشير إلى الحاجة لمزيد من التحقيق والتثبت، بدلاً من إعلان نتائج نهائية. فالمؤسسات المسؤولة عن حماية العملية الانتخابية مطالبة بأن تفصل بين واجب التحقيق الأمني وبين الحفاظ على ثقة الجمهور بنتائج التصويت.

والأمر الأكثر حساسية أن الملف يتقاطع مع الخلاف حول مشاركة الأحزاب العربية والناخبين العرب في الانتخابات. فقد شهدت الانتخابات الأخيرة حضوراً سياسياً عربياً مؤثراً، وأصبحت نتائج هذا الحضور جزءاً من الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة. وفي ظل تصاعد الخطاب الذي يشكك في بعض مكونات العملية السياسية، فإن أي اتهام غير مثبت بشأن التمويل الخارجي يمكن أن ينعكس على شرعية المشاركة السياسية لفئات واسعة من المواطنين.

وهنا يمكن قراءة المقال ضمن مشهد أوسع يتصل بموقع جهاز الأمن العام داخل النظام السياسي الإسرائيلي. فحين تتحول المعلومات الاستخباراتية إلى موضوع نقاش علني في لحظة تشكيل الحكومة، يصبح السؤال متعلقاً أيضاً بحدود العلاقة بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات المدنية، وبكيفية ضمان ألا تتحول التحقيقات الأمنية إلى أدوات ضغط في الصراع الحزبي.

ولعل ما رمت إليه الكاتبة، سواء بصورة مباشرة أو من خلال عرض المعطيات، هو أن إسرائيل تواجه تحدياً يتعلق بحماية استقلال قرارها السياسي من النفوذ الخارجي. لكن هذه الحماية لا تكتمل إلا بضمان الشفافية والمساءلة، وعدم السماح باستخدام المعلومات الأمنية بطريقة انتقائية.

كما أن القضية تطرح سؤالاً عن طبيعة التدخل الخارجي نفسه: هل يتعلق بتمويل حملات سياسية؟ أم بنشاطات إعلامية ومنصات رقمية؟ أم بمحاولات التأثير في شخصيات ومؤسسات؟ فهذه أشكال مختلفة من التأثير، ولا يجوز جمعها في اتهام واحد من دون تحديد طبيعة كل حالة وأدلتها.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن إسرائيل التي تقدم نفسها باعتبارها دولة ذات مؤسسات أمنية واستخباراتية متقدمة تجد نفسها أمام تحدٍ داخلي يتعلق بحماية العملية الديمقراطية من الاختراقات، وفي الوقت نفسه حماية مؤسساتها من التسييس. فالتوازن بين الأمن والديمقراطية يصبح أكثر صعوبة في اللحظات التي تتداخل فيها المنافسة الانتخابية مع تقديرات الأجهزة الأمنية.

ويظهر من المقال عن تحول ملف التدخل الخارجي إلى أحد محاور الصراع الداخلي الإسرائيلي بعد الانتخابات. فالقضية لم تعد مجرد تحقيق أمني في تحويلات مالية، بل أصبحت مرتبطة بثقة الجمهور بالمؤسسات، وشرعية نتائج الانتخابات، وحدود تدخل الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية. والاختبار الحقيقي سيكون في قدرة السلطات على تقديم أدلة واضحة ومحاسبة المتورطين إن ثبتت التهم، من دون تحويل الشبهات إلى سلاح سياسي ضد الخصوم.

تظهر صورة إسرائيل أمام مرحلة انتقالية تتداخل فيها الأزمات الداخلية مع التحولات الدولية.


أولاً – نتنياهو تحت ضغط الخارج والداخل: تكشف قراءتا هآرتس ويديعوت أحرونوت أن العلاقة مع الولايات المتحدة أصبحت جزءاً من الصراع على مستقبل نتنياهو. فالمعارضة الإسرائيلية تستطيع استخدام تراجع الدعم الأميركي للقول إن استمرار حكومته يضر بالمصالح الاستراتيجية للدولة.

ثانياً – البحث عن صيغة حكم جديدة: تكشف معاريف عن اتجاه يدعو إلى حكومة وحدة واسعة، لكن هذه الدعوة تصطدم بتناقضات عميقة حول التجنيد والحرب والقيادة السياسية. فالمشكلة ليست في جمع المقاعد فقط، بل في إمكانية إنتاج قرار موحد.

ثالثاً – المؤسسات الأمنية في قلب الصراع: تكشف إسرائيل هيوم أن التحقيق في التدخل الخارجي أصبح جزءاً من النقاش حول شرعية الانتخابات والثقة بالمؤسسات. وهذا الملف قد يتحول إلى عامل إضافي في المواجهة بين المعسكرات السياسية.

رابعاً – التحول الأميركي يتجاوز ترامب: ربما تكون الرسالة الأكثر أهمية أن إسرائيل لم تعد تواجه احتمال تغير السياسة الأميركية بسبب شخص الرئيس وحده، بل بسبب تحولات أوسع داخل المجتمع الأميركي والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

والسؤال الذي تتركه هذه الصحف مفتوحاً هو: هل تستطيع إسرائيل إعادة ترميم علاقتها مع واشنطن، وتشكيل حكومة مستقرة، وإدارة جبهاتها العسكرية، في وقت تتزايد فيه الانقسامات داخل مجتمعها السياسي؟

أخبار ذات صلة